مقهى الميناوي: ماضٍ عريق ومستقبل مجهول
تسعة عقود لم تكن كفيلة بإزالة ما تجمع من ذكريات وتاريخ بين زوايا هذا المقهى وأحاديث زواره. مقهى الميناوي، ثالث أقدم مقهى في مدينة نابلس، نستحضر مع صاحبه وروّاده أبرز ما مرت به نابلس من خلال هذه الرقعة البسيطة بعراقتها. ضمن سلسلة دوز عن المقاهي التاريخية ب
عندما تتمشّى في شارع حطين في مدينة نابلس، تقودك خطواتك باتجاه مصدر صوت أغاني أم كلثوم المشوَّش وكأنه من زمنٍ آخر، يتخلله مسامرة الأصدقاء على خلفية كركرة مياه النراجيل وضربات ملقط الفحم. هناك، يقع ثالث أقدم مقهى في المدينة: مقهى الميناوي.
أسس الأخوان الراحلان نمر وديب الميناوي محل البلياردو مقابل بنك بانجلز الشهير في بداية الانتداب البريطاني عام 1922، قبل أن يتحوّل إلى مقهى وتنتقل ملكيته إلى الابن ضرغام ميناوي (67) عاما.
يجول المعلّم ضرغام (أبو أيمن) بين زبائنه، فتارةً يميل على أحد الجالسين على الطاولات المستطيلة الصغيرة، ليرمي دعابة سرعان ما ينتقل أثرها بالضحك إلى المجموعة بأكملها أو المجموعات المجاورة حتى، وتارة يهمُّ بحامل الفحم والملقط ليزوّد المدخّنين بفحم ينعش نراجيلهم. وإن تمكنت من سرقة أبو أيمن من زبائنه، فسيزداد شعورك بالأصالة والقدم أضعافا حين يبدأ بالحديث عن الماضي وذكريات المقهى.
بدا ضرغام متلهفاً وحزيناً خلال حديثه عن ذكرياته في المقهى، فقد مر المقهى بفترات سادها العديد من الاضطرابات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. يقول أبو أيمن: "تسلم والدي المقهى مع بداية الخمسينيات، وعملت معه فيه منذ سن الثالثة عشرة". وذلك بعد تسلم المملكة الأردنية الحكم في الضفة الغربية حتى ما قبل الخامس من حزيران/يونيو 1967، إذ ساد البلاد حالة من الهدوء النسبي، بحسب ضرغام.
استطاع المقهى أن يشكل مصدر دخل رئيسي لضرغام وعائلته، وبقيت أوضاعهم المادية مستقرة بفضله حتى الاحتلال الإسرائيلي للضفة. ويستحضر أبو أيمن ذاكرته عن الاحتلال قائلاً: "بعد الاحتلال، أغلقت أبواب المقهى لأكثر من ثلاثة أشهر. واعتمدت عائلتي على ما تملكه من مدخرات خلال تلك الظروف الصعبة".
لم تكن الانتكاسة المادية للمقهى والعائلة هي الذكرى السيئة الوحيدة التي احتفظ بها المقهى، يقول أبو أيمن: "لا أنسى لحظة الإفراج عني من معتقل حوارة بعد أن أوقفني الجيش الإسرائيلي، فقد فوجئت بإصابة والدتي البليغة، التي فارقت الحياة على إثرها رغم نقلها إلى المستشفى الوطني".
بعد وفاة الوالدة، استمر أبو أيمن بمساعدة والده، الذي بات يفتح أبوابه ويغلقها بناء على الأوامر العسكرية الإسرائيلية، حين أخضعت الضفة الغربية للحكم العسكري حتى عام 1981 قبل تشكيل الإدارة المدنية.
أبو أيمن يواصل المشوار وحيداً
فارق والد ضرغام الحياة مطلع عام 1979، ليتحمل أبو أيمن مسؤولية إدارة المقهى وهو في العشرين من عمره. وتابع ضرغام عمله اليومي في مقهى الميناوي، الذي تعرض لإغلاق آخر طويل الأمد، إذ أغلق لأكثر من سنتين إثر اندلاع الانتفاضة الأولى في نهاية عام 1987.
وعن تلك الفترة يقول ضرغام: "كنت أتفقد المقهى بين الحين والآخر. وقد تعرض للدمار عدة مرات، واضطررت للاستدانة في سبيل إعادة إصلاحه وتعميره". تكرر المشهد مرة أخرى عام 2001 بعد اندلاع الانتفاضة الثانية: "تلك كانت النكبة الكبرى للمقهى"، قالها بصوت خافت وحزين، وتابع: "اجتياح يليه اجتياح، ذلك هو العنوان الأبرز للحياة اليومية في نابلس حتى نهاية 2005". وبرغم كل تلك الأزمات، إلا أن الحياة دبت من جديد في مقهى الميناوي، بعد هدوء الأوضاع نسبياً في مدينة نابلس.
[caption id="attachment_19782" align="alignnone" width="2304"]

عرف زبائن الميناوي "شاعر الربابة" الذي كان يروي لهم قصص الثورة وعنترة العبسي وصلاح الدين وغيرها[/caption]
لم يصبر الزبائن خلال ربع الساعة الأولى من اللقاء على مفارقة أبو أيمن طاولاتهم، فبدأت أصوات تناديه من كل صوب من قبيل: "شو أبو أيمن، نسيتنا؟" و"تعال أقعد معنا يا زلمة، اشتقنا لك". فما لبث أبو أيمن حتى استأذن برفقة حامل الفحم والملقط، وقام بجولة أعادت للمكان تناغماً خاصاً به.
وليس بوسع ضرغام ميناوي المقارنة بين أعداد رواد المقهى في الماضي والحاضر. ويصف حال المقهى خلال الربع الأخير من القرن الماضي قائلاً: "كان من الطبيعي أن ترى المقهى ممتلئاً بشكل كامل، حتى إن الكراسي لم تكن تكفي الزبائن". ويتابع أبو أيمن مبتسما: "كنت أحتاج في السابق إلى أربعة عاملين في المقهى ليتمكنوا من تلبية طلبات الزبائن، أما اليوم فأنا أستطيع إدارتها بمفردي". ومعظم زبائن المقهى هم من كبار السن، الذين تتناقص أعدادهم يوماً بعد يوم حين يفارق أحدهم الحياة، كما ذكر الميناوي.
ويشير أبو أيمن إلى أن إقبال الشباب على مقهى الميناوي والمقاهي القديمة بشكل عام ضعيف جداً، منوهاً إلى الأثر السلبي الذي أحدثته المقاهي العصرية المعروفة بالـ"كوفي شوبس"، والتي تنامت أعدادها بشكل كبير خلال الآونة الأخيرة.
الميناوي: لا للـ (WIFI)
لا يرغب أبو أيمن بتوفير خدمة الإنترنت اللاسلكي للزبائن، ويفسر ذلك قائلاً: "لا أسعى لاستقطاب الشباب والمراهقين، الذين قد يشوهون أجواء المقهى، فأنا لا أطيق سماع الصراخ والصيحات المرافقة للعب الورق. كما أنني لن أتحمل سماع الشتائم في هذا المكان". ولا ينكر أبو أيمن أن هناك فئة من الشباب تستحق الاحترام، على حد تعبيره، إذ يتردد بعضهم على مقهاه باستمرار، لكن أعدادهم قليلة. كما لم يفكر أبو أيمن بالاشتراك بالقنوات الرياضية المشفرة، بل يسعى إلى الحفاظ على أجواء المقهى ورونقه، فأغاني أم كلثوم وعبد الحليم وغيرهما من نجوم الطرب العربي تسود المقهى معظم الأوقات، وعلى جدرانه ترى صوراً قديمة لمدينة نابلس، ولشخصيات بارزة كجمال عبد الناصر ودريد لحام، ورسالة خطية موقعة باسم القائد الفلسطيني المعروف عبد القادر الحسيني.
وكغيره من مقاهي نابلس الشعبية، يدفع الزبون القليل مقابل ساعات من الهدوء والأجواء، التي لا تجدها في المطاعم والمقاهي الحديثة. ويذكر أبو أيمن أن تكلفة كوب الشاي في مقهى الميناوي خلال تسعينيات القرن الماضي كانت حوالي 1.5 شيقل، واليوم في عام 2014 ما تزال الأسعار رمزية، إذ يدفع الزبون ثلاثة شواقل فقط لقاء كوب الشاي. وهي أسعار منخفضة جداً مقارنة بأسعار المقاهي الشبابية الحديثة المنتشرة في مختلف أرجاء نابلس.
ويحافظ المقهى على سمة البساطة التي يتميز بها، فالكراسي الخشبية الصغيرة اشتريت عام 1953، وهي بحالة ممتازة حتى اليوم. كما أن بعض النراجيل يعود إلى أربعينيات القرن المنصرم. ويفضل أبو أيمن الاحتفاظ بكل قطعة قديمة في مخزن صغير، ولا يفكر إطلاقاً بالتخلص من أي من مقتنياته.
[caption id="attachment_19784" align="alignnone" width="2304"]

يتميز الميناوي بمشروباته الساخنة والباردة كعصير الليمون والزهورات[/caption]
أبو النجا وسعاد ماسي في الميناوي
من اعتاد على ارتياد مقهى الميناوي في نابلس، فإنه في الغالب لا يلجأ إلى غيره، فها هو أبو رمزي يزور المقهى بشكل شبه يومي منذ 35 عاماً، يلتقي بأصدقائه ويلعبون الورق. "المكان لم يتغير، بل ما زال محتفظا بملامحه" يقول أبو رمزي. ويؤكد أنه لم يشعر بأي تغيّر يذكر على أجواء وملامح المقهى طوال فترة ارتياده لها. ويمدح أبو رمزي رواد المقهى قائلاً: "الناس هنا محترمة، والوجوه طيبة". وعلى طاولة أخرى يجلس زبون آخر هو خميس الطقطوق، والذي اعتاد على ارتياد المقهى منذ 15 عاماً، ويوضح الطقطوق أسباب اختياره للميناوي: "كنا نرتاد مقهى برزيانا، لكنه أغلق كلياً، فلم نجد بديلاً أفضل من مقهى الميناوي".
يذكر صاحب المقهى أبو أيمن، أن أعداداً لا بأس بها من فلسطينيي الداخل يترددون على المقهى بشكل أسبوعي عند زيارتهم لمدينة نابلس، كما يجذب المكان بعض السياح الأجانب الذين يلتقطون الصور الفوتوغرافية للمقهى وزواياه. وينوه أبو أيمن إلى أن رئيس الوزراء الفلسطيني الأسبق سلام فياض كان قد زار المكان لاحتساء القهوة عام 2009.
كما واختارت المخرجة المقدسية نجوى النجار مقهى الميناوي موقعاً لتصوير عدد من مشاهد فيلمها "عيون الحرامية"، والذي شارك به النجم المصري خالد أبو النجا والمغنية الجزائرية المعروفة سعاد ماسي، إذ جرى تصوير عدد من المشاهد داخل المقهى على مدار يومين.
حتى هذه اللحظة، ما زال مقهى الميناوي معلماً تاريخياً يميز نابلس، ولكن أبا أيمن لا يجد أي اهتمام من أبنائه بالمقهى، فهو الوحيد المتكفل بإدارته، فهل سيزول هذا الإرث بمجرد مفارقة أبو أيمن، بعد عمر طويل، الحياة؟
إعداد: سارة أبو الرب، أحمد البظ
تصوير: ديما باكير
تحرير: عبد الرحمن عثمان
2014-12-15 || 18:51