يوميات ممرض في حرب غزة
وصل عدد من جرحى غزة إلى نابلس وعولجوا في مستشفيات المدينة، كما عولج عدد من جرحى التظاهرات ضد الحرب وتضامنا مع غزة. أسيل السيد كتبت نصا أدبيا عن يوميات ممرض في تلك الحرب. موقع دوز، وسعيا منه لتشجيع النتاج الأدبي في محافظة نابلس وجامعة النجاح، يرحب بمشاركات
أستيقظ باكرا وأذهب إلى عملي. في بعض الأيام أستنشق رائحة الصباح تداعب نسمات وجنتي وصوت الهدوء يعم المكان. أرطب لساني بأذكار الصباح. أذهب إلى عملي كأي يوم عادي، أرى زملائي في الكادر الطبي، منهم من يكون قد أرهقه دوام الشفت الليلي وآخر حضر للتو ولكنه لم ينم جيدا ليلة أمس بسبب ظرف عائلي، نتبادل الابتسامات والصباحيات. على عجل أشرب فنجان قهوة وسيجارتي، التي لا تفارقني سوى خلال عملي. نتكلم في أمورنا ومن ثم أنظر لساعتي وإذ بدوامي قد بدأ. آخذ مريولي الأبيض وبدلتي الزرقاء وأبدأ بتجهيز القسم والاستعداد لاستقبال المرضى، فأنا أتعامل مع الكثير من المرضى كشيء جامد.
غالبا ما يكون المريض مخدرا غير واع لما يجري حوله. أرى الكثير في غرفة العمليات: جروحا كبيرة وبترا لأعضاء داخلية، ولكن يكون لدي معرفة وتصور أن هذا المريض سيقوم على قدميه بعد فترة من الزمن وسيمارس حياته بشكل طبيعي، وما نفعله فيه الآن يتم بناء على أخلاق وعلم وسيساعده على الشفاء.
في كل مرة أستقبل فيها المريض أطلق ابتسامة لكي تريحه قليلا ويشعر بالأمان، لأنه يكون متوترا ولا يتمالك نفسه من شدة الخوف.
الحرب تصل نابلس
قبل بضعة أيام شنت الحرب على غزة. كنت في الماضي أشاهد ذلك على شاشات التلفزة، أما اليوم فقد أصبحت ممرضا رسميا في مستشفى حكومي. وهذا يعني أنه يقع على عاتقي الكثير من المسؤوليات. أنا من سيساعد وأنا من سيضغط على جرح مفتوح وأنا من سيحمل يدا أو رجلا مبتورة بطريقة همجية وأنا أيضا من سيحمل طفلا صغيرا مليئا بالدماء وأهدأ من روعه، فصراخه أشبه بجرس يضرب دون توقف لأنه لا يعرف أحدا من حوله.
لم أكن أتخيل أنني سأصل في يوم من الأيام لهذه الحالة الغريبة. لم أعد أعمل لمدة 7 ساعات وبعدها أخلع مريولي الأبيض وأذهب إلى بيتي لأرتاح. العمل هنا أصبح متواصلا كآلة بخارية تعمل دون توقف ولا يعنيها إن كنت أنت قد تعبت أم كللت أم أنك لم تعد تحتمل رؤية المزيد من الدماء والأشلاء في كل مكان.
أتوقف لبرهة، لا يوجد وقت للتفكير، فنداء الإنسانية أقوى مني بكثير ويأسرني. من غيرك قادر على وقف نزيف رجل مبتورة؟ ومن غيرك قادر على تشخيص امرأة ستلد بعد حين؟ من غيرك قادر أن يقطب رأس هذا الطفل الصغير، ومن غيرك سيعطي صدمة كهربائية لشاب عشريني ليعود قلبه ويخفق بالحياة من جديد؟ من غيرك سيساعد الطبيب أثناء عملية جراحية لاستخراج الشظايا من جسم فتاة؟ من غيرك سيضمد ويساعد ويضع إبرة ومحلولا؟
صوت داخلي
يجب علي أن أحتمل. أبناء شعبي بحاجتي الآن. اليوم مهنتي تفيد أكثر من أي يوم مضى. لا أقدر أن أقف مكتوف الأيدي.
أعود إلى العمل، أصل الساعة بالساعة، لم أعد أدرك هل نحن في الصباح أم المساء. أصبحت يداي تعملان ليل نهار. في كل لحظة يعاد نفس المشهد: تجلب سيارات الإسعاف المزيد من الجرحى والشهداء وأصوات البكاء والدماء في كل مكان وصوت يناشدني من هنا وآخر يمسك بمريولي الأبيض، الذي أصبح ملطخا بدماء الكثيرين، من هناك. صوت يتلفظ بشهادة وآخر يصرخ فوق أولاده ويترجى الجميع لمساعدتهم. أتمالك نفسي وأعود لعملي بسرعة الضوء، بسرعة لم أعمل بها طيلة حياتي. لا أدري لعل الله أرسل هذه القوة لكي أساعد عدداً أكبر من الناس. أنظر إلى أصدقائي، الجميع يعمل ولا أحد يقف مكتوف الأيدي، لا أحد يتبادل أطراف الحديث، الكل يعمل وكأن ساعة الموت قد دقت.
بعد صراع استمر ساعات أطول بكثير من دوامي الليلي، الذي كنت أكرهه، أجلس على كرسي حديدي أمام المستشفى أحاول أن أستنشق بعض الهواء، أغمض عيني وأشعر أني قد دخلت بدوار. أرى الأطفال الذين رأيتهم، أرى وجوههم مليئة بالغبار وأجسامهم قد هتكت، لا يوجد معالم لطفولتهم البريئة. أرى أمامي أشلاء والأصوات لا تفارقني: بكاؤهم وصراخهم وآهاتهم وأيضا رائحة دمااااااااااااااء تملؤ رئتي، ولعلي أشم رائحة الجنة من خلال رائحة دمائهم الزكية التي تفوح في كل مكان؟
أهز نفسي، أفتح عيني على صوت سيارة إسعاف قادمة من بعيد، أنظر لنفسي فأرى أنني ملطخ بالدماء وبمحلول تعقيم وكأني أصبحت جزارا في "ملحمة".
ويلات الحرب
دقات قلبي تتسارع، جسمي يرتجف ونفسي يلهث، أشعر أني سأتقيأ بعد قليل، لا أدري ماذا أصابني. أشعر بأن شيئا بداخلي قد تهشم. إنها نفسيتي، أصبحت مهترئة لكثرة ما رأيت. أمست روحي تحتاج إلى الراحة، لا جسدي، فجسدي اعتاد على العمل المتواصل. أتمالك نفسي وأضع فنجان قهوتي جانبا واستقبل جريحا آخر. أنظر من حولي وأتحدث مع نفسي، أحاول أن أشجعها وأقويها.
مضى يومان ولم تغمض لي عين، لعل ذلك هو السبب! ولكن لم أكن أعلم أن جميع زملائي الأطباء والممرضين يعانون مثلي. هذه هي الحرب تجعلك ترى ما لم تره طيلة حياتك، تجعلك ترى أبشع بكثير من غرفة العمليات ومن غرفة التشريح، تجعلك ترى تشريح أجسام بطريقة مؤلمة، بطريقة تمزقك وبطريقة تخرج عقلك عن السيطرة.
22\7\2014
الكاتبة: أسيل السيد
المحرر: عبد الرحمن عثمان
2014-10-08 || 18:21