أثر الدعم الألماني على الإنتاج السينمائي الشبابي العربي
كيف يؤثر الدعم الذي تقدمه مؤسسات ألمانية لمنتجي الأفلام العربية. رشا حلوة ترصد في مقالها* لـ DW عربية من خلال فعاليات برليناله كيف أثر الدعم الألماني في الإنتاج السينمائي العربي.
في السابع من شباط/ فبراير 2019، افتتح مهرجان برلين السينمائي الدولي (برليناليه) دورته التاسعة والستين. يعتبر هذا المهرجان بمثابة احتفال واسع للإنتاجات السينمائية المتنوعة من أنحاء العالم.
وعلى مدار السنوات الأخيرة، احتضن برليناليه إنتاجات سينمائية عربية عديدة، من أفلام قصيرة وطويلة، وثائقية وروائية، خاصّة بعد 2011، حيث كانت هذه الأفلام بمثابة شبابيك تُفتح على المنطقة العربية، قصصها المتنوعة وأناسها، في سياقات سياسية واجتماعية وثقافية عديدة. من الشبابيك التي فُتحت أيضاً من ألمانيا إلى المنطقة العربية، كانت منح إنتاج الأعمال السينمائية، وبالأساس منحة "روبرت بوش للتعاون السينمائي الدولي"، التي بدأت بتقديم منح إنتاجات مشتركة بين ألمانيا وبلدان عربية منذ العام 2012 في ثلاثة حقول سينمائية: أفلام تحريك (أنميشن)، أفلام روائية قصيرة وأفلام وثائقية، حيث تصل كل منحة إلى 60 ألف دولار.
هذه المنح قُدّمت إلى جيل الشباب من المخرجين/ات والمنتجين/ات العرب، لصناعة أعمالهم/ن الأولى، حيث بالأساس يعتبر تحدياً لكل مخرج/ة ومنتج/ة أفلام بأن يكون باستطاعته/ا إنتاج/ا عمله/ا السينمائي الأوّل وإيجاد الموارد اللازمة. وهذه الفرصة، هي في صلبها دعم للعمل على المنتج السينمائي، لكنها أيضاً تعتبر بوابة لجيل الشباب بالدخول إلى عالم صناعة السينما. وفي ظلّ شحّ موارد الدعم الثقافية عامّة والسينمائية خاصّة في المنطقة العربية، وبما أن منحة "روبرت بوش" كانت مخصصة للعالم العربي، فبالضرورة سيكون إيقاف المنحة بعد دورتين من هذا العام، وذلك لأن المؤسسة تسلط الضوء كل فترة على منطقة ما، له تداعيات على الإنتاج السينمائي الشبابي العربي.
في حديث مع المخرج الفلسطيني مؤيد عليان، قال: "هي إحدى المنح التي تعطي فرصة للمخرجين بإنتاج أعمالهم، وبالنسبة لأي صانع أفلام، سواء كان طالباً أو محترفاً، هي فرصة للخلق السينمائي ولإيصال العمل للناس. كما أن العمل الأول هو بوابة لدخول المخرج إلى الصناعة، وتسليط ضوء على المواهب السينمائية التي تستحق المتابعة والتمويل، خاصة في ظلّ شح الموارد العربية للتمويل السينمائي.
إيقاف دورة الدعم من قبل روبرت بوش بعد عامين هو بمثابة تحدٍّ يواجه السينمائيين العرب، خاصة لكونه مصدراً متاحاً خلال السنوات الأخيرة لإنتاج الأعمال الأولى. الأمر الآخر هو أن أهمية هذه المنحة لا تكمن فقط في الإنتاج المشترك، وإنما لفهم كيف يعمل الإنتاج المشترك في ألمانيا، حيث لم تكن المنحة إنتاجية فقط بقدر ما هي أيضاً منصة لتطوير وتدريب السينمائيين".
وفيما يتعلق بتطوير المهارات السينمائية وتدريب السينمائيين/ات من قبل خبراء في المجال، تحدثت مع المخرج المصري بسام مرتضى، والذي فاز هذا العام بجائزة "روبرت بوش" عن فئة الوثائقي الطويل لفيلمه "أبو زعبل 1989"، وقد قال: "هذه المنحة هي من أكبر المنح المقدمة للإنتاج العربي الشاب والمهتمة بالتعاون المشترك. بالنسبة لي، إلى جانب كونها منحة مادية، قد أتاحت لي فرصة التعامل أكثر مع الشريك الإنتاجي الألماني، اقتربنا أكثر وتحاورنا وجهاً لوجه كفريق، ليس مجرد شركاء. لا أحب أجواء التنافس، لكن تجربة التنافس كفريق مصري ألماني جعلنا نتحوّل إلى فريق لتطوير مهاراتنا أكثر وبناء خطاب متماسك عن الفيلم يوصل بين الجمهوريْن المصري والأوروبي. لأوّل مرة نعرف بشكل حقيقي امتيازاتنا الفنية وسبب تعلقنا بقصصن بعضنا، وعملنا على تشبيك الاختلافات بيننا لصنع رؤى مختلفة للسينما، تتنازل عن رؤية فلكلورية واستشراقية لبعضنا البعض، لنصل إلى الألم الحقيقي الذي يجمع سينمائيين شباب نعيش في عالم مربك وغير عادل".
ووفقاً لحديث بسام ومخرجين/ات ومنتجين/ات آخرين من العالم العربي، تتميّز منحة الإنتاج الألمانية هذه بآثارها الأوسع على الإنتاج السينمائي الشبابي العربي من كونه مادياً فقط، بل فتح أبواباً من جهة لمعرفة الصناعة السينمائية العربية من قبل فرق العمل الألمانية، كما أنه فتح أبواباً للحوار بين ألمانيا والمنطقة العربية بعيون السينمائيين/ات وأصواتهم/ن، مما قرّبت جمهور برليناليه إلى قصص المنطقة بعيداً عن نشرات الأخبار والإعلام.
في حديث مع ربيع الخوري، القيّم الفني لجائزة الفيلم التابعة لمؤسسة روبرت بوش، قال: "بالإضافة لأهمية البرنامج المتنوعة، من أهم تفاصيله هو دعم فريق العمل العربي - الألماني لكل فيلم. سوف نفتقد هذا التعاون بين ألمانيا والعالم العربي بعد إيقاف البرنامج، خاصة ما منحه من منصة للتعارف الإنساني عدا السينمائي، بمعنى، المعرفة التراكمية التي خلقها البرنامج بين المخرجين/ات والمنتجين/ات من العالم العربي وألمانيا، التعرّف على تفاصيل حياة الآخر بلا علاقة بالسينما، مما لهذا أهمية قصوى خاصة في ظل ما تشهده ألمانيا من موجة ضد العالم العربي، هؤلاء المنتجين الألمان يرون العالم العربي من منظور آخر، يتعرفون على قصصه الخاصة ويخوضون المشوار سويةً مع الطاقم العربي. هنالك أفلام لم تفز بجوائز، لكنها تحققت وأُنتجت من خلال هذه المعرفة والاطلاع على المواهب السينمائية، وهذه تجربة لا تقدّر بثمن".
إن السينما هي من أكثر الحقول الثقافية والفنية التي تحتاج إلى موارد عديدة لإنجاز أعمال فيها، وذلك لما تتطلبه فنياً وتنفيذياً من طواقم عمل متنوعة. وفي ظلّ ما تعيشه المنطقة العربية مؤخراً من ظروف سياسية واجتماعية وثقافية قاسية، وللإدراك التام لأهمية دور الثقافة في التنمية، فإنها توضع على الهامش، وفي أحيان عديدة، لا يتم الالتفات إليها أصلاً، والسينما ضحية هذا الأداء بالضرورة.
إن السينمائيين/ات العرب، وبالأخص جيل الشباب منهم، يعاني من شحّ موارد الدعم، فتكون منحة مثل "روبرت بوش" بمثابة فرصة مهمة للإبداع السينمائي، يحمل أصوات المنطقة بتنوعها إلى العالم، ويخلق مساحات للحوار ترتكز على عناصر فنيّة، هي الأقرب لقلوب الناس. وتوقف جهات دعم عديدة للإنتاج السينمائي، سوف يضع صنّاع السينما العرب أمام تحديات عديدة.
في حديث مع المنتجة الفلسطينية مي عودة منتجة فيلم "قدما مارادونا" لمخرجه الفلسطيني فراس خوري الذي فاز العام الماضي بجائزة الروائي الطويل لمنحة "روبرت بوش"(الفيلم أنتج بالاشتراك مع المنتجة الألمانية زورانا موشيكتش)، قالت: "لا يمكن صناعة أفلام بالوطن العربي بلا إنتاج مشترك، وهذا أقوله بحزن. لا من موارد نستطيع من خلالها إنتاج كامل لأفلامنا المستقلة. السؤال الآن: ماذا بعد؟ نحن أمام مفترق طرق كبير كمنتجي أفلام عرب، لأن الموارد للإنتاج السينمائي تقلّ مع الوقت في كل أوروبا.. كذلك فإن السؤال يطرح عن أية أفلام نريد نحن أن ننتج؟ يجب برأيي خلق حل بديل وفوري لإنتاج أفلامنا المستقلة، يحمل أصواتنا، وهنالك قصص جديد كثيرة تُولد وتوضع في الخزائن لأن لا من موارد لإنتاجها. أمامنا سنوات صعبة للأسف، مع ذلك هنالك أمل بوجود مخرجين/ات وأفلام للخلق المستقبلي، أرى أن صنّاع الأفلام يشبهون المحاربين، يتحدون كل هذه الظروف لإنتاج قصصهم التي يدركون مسؤولية سردها".
بالتعاون مع دويتشه فيله
2019-02-14 || 12:33