بالعصا يُفْتتحُ الفجر
"ما زال الوقت مبكرا للخروج لقطف تين الفجر. لكنني ارتديت ملابسي كي أكون مستعدا. إن كان هناك تناسخ أرواح، فأنا أريد أن أكون شجرة تين. لا أريد أن أكون بشريا بعد". قراءة ممتعة.
صحوت في الرابعة إلا ربعا. نهضت ووضعت نفسي على الكرسي.
الفجر يشق طريقه، لكن الليل ما زال ليلاً بعد. لم أشعل النور. سوف تنكسر العتمة مثل فخارة إن فعلت. ولا يحسن كسر الفخار في الفجر. أزحت الستارة عن باب الشرفة الزجاجي، وأدرت الكرسي نحو الشرق، نحو مطلع الشمس: غيوم سودتها العتمة. إذن، سيكون النهار القادم أرحم بنا.
ما زال الوقت مبكرا للخروج لقطف تين الفجر. لكنني ارتديت ملابسي كي أكون مستعدا. إن كان هناك تناسخ أرواح، فأنا أريد أن أكون شجرة تين. لا أريد أن أكون بشريا بعد. شبعت من كوني بشرا. أريد أن أكون تينة بمائة كف خضراء. ليس للتينة روح، يقولون. وأنا لا أريد أن تكون لي روح. ليست الروح سوى كلب كّلِبٍ يعض غيره، ويقتل ذاته.
شجرة تين أنا. ولست راغبا في أن أصعد من جديد في سلم الكائنات. أريد أن أظل شجرة بلا روح، لها جذر يحفر في الطين.
الخامسة والربع تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود. حملت عصاي المعقوفة وخرجت. العصا ستحني لي الغصون.
في الخامسة والنصف كنت تحت التينة (السوادية). قطفت حبة أو حبتين، ثم لا شيء. لا بد أن أحدا ما قطف التين مساء أمس. لا، ربما كانت عتمة الفجر هي التي تضل عيني عن الثمرة، ويدي عن الغصن الذي يحملها.
ذهبت إلى التينة (البياضية). كان التين قناديل تنوس بين النور والعتمة. قطفت حفنتين. ثم مضيت إلى التينة (الخضارية)، وكان النهار قد أعلن عن نفسه أو كاد، حتى وإن تلكأت الشمس وتلبّثت. حنيت بالعصا الأغصان. بالعصا يفتتح الفجر، وبالفم المفتوح لثمرة التين التي جرحها الندى.
عدت إلى التينة (السوادية). تكشفت لي الثمار السود. أبعدت العتمة يدها عنها، فانكشفت لي. ملأت كيسي الصغير بالتين الأسود، وعدت إلى البيت.
حلفي قديم مع التين. تحت شجرة ولدتُ نفسي بنفسي. تحت شجرة أقمت عرسي. عدت إلى مقطع قديم كنت قد كتبته قبل أكثر من عشر سنوات:
"واقتربنا من عيون الحرامية.
مرر الليل إلينا رائحة أوراق التين الثقيلة عند العيون. رائحة التين عطر مضاد. لا بد أن الأوراق قد كبرت وصارت مثل آذان آلهة خرافية صغيرة.
تبدأ الورقة الأولى من رأس الغصن الرمادي المغطى بالطحلب والذي كان يبدو ميتا في شباط. يُخرج الغصن ظفراً صغيرا أخضر. يتحول الظفر إلى ورقة صغيرة، ثم تنهض الحياة ورقة
وراء ورقة، وتتشكل خيمة خضراء ترمي على الدنيا بعطرها الثقيل.
أحب التين. التين أخي، ابن أمي. وإن كان ثمة تناسخ أرواح فليجعل الله روحي بعد موتي في شجرة تين، لكي أطل بإظفري في آذار من أطراف أغصانها النحيلة الهشة".
منذ القدم أنا شجرة تين.
الكاتب: زكريا محمد
المحرر: عبد الرحمن عثمان
*هذا النّصّ لا يعبّر بالضّرورة عن وجهة نظر دوز
2017-07-29 || 19:35