"سيدي مات.. وانحرقوا الشجرات"
في كل مرة أغادر فيها البلدة يكون جبلُ "الجَدوعِ" خلفي، وفي طريق عودتي يظهر من بعيد، يشعل في داخلي ذكريات جميلة تشوهها طرقات وأبراج مراقبة وبركسات، وكلما اقتربت من البلدة أكثر تتضح الرؤية، والشوق في داخلي يكبر.
كنت في الخامسة من عمري أرافق جدي على ظهر حماره إلى حقولنا، نزرع ونحصد، نغرس ونجمع الثمار، ونعتني بالأشجار. في يوم من الأيام كنا على أعلى قمة جبل "الجَدوع" في بلدة بيت فوريك شرقي نابلس، حيث أشجار التين والزيتون والخروب واللوز، فسمعنا صوت مسجل يصدح بأغانٍ عبرية، جئت مسرعاً لجدي وسألته ما هذا الصوت؟ فقال: "هذا مستوطن يأتي على قمة الجبل يشغل أغانيه ويرحل".
لم يكتف المستوطن بزيارة مؤقتة والاستماع لبعض الموسيقى، بل نصب خيمة وأصبح لا يبارح المكان، وفي كل مرة كنا نذهب لأرضنا هناك نرى هذا المستوطن يتوسع أكثر، إذ لفَّ الخيمة بسياج لونه أصفر، ومن هنا عرفت معنى القهر والغيرة الذي يمثلها هذا اللون، كان منظر السياج ملفتاً وكنا طوال طريقنا ننظر إليه بحسرة وكلما اقتربنا كان يكبر أكثر فأكثر.
وكذلك أنا كنت أكبر وصرت أعي ما يحدث، فلم يعد مسموحاً لنا بقضاء وقت طويل في أرضنا، هي أيام محددة في مواسم قطف الزيتون. منعنا وأصدقاءنا من الوصول إلى أشجار التين التي اعتدنا في كل عام العودة منها محملين "بكرادل" التين التي كنا نغطيها بالخروب خشية من أيدي المتطفلين.
كل ذلك حدث بعد أن تجرأ مستوطن اسمى نفسه "جدعون" -الذي ادعى بأن جده مدفون في الجَدوع- على الاعتداء على الحاج أبو عودة الذي كان يحرث أرضه، فقطعه إلى أجزاء، ووجدنا على اصبعه آثار لحبرٍ أزرق.
في موسم الزيتون الأخير لنا هناك، وبالقرب منا كانت عائلة فريد نصاصرة تقطف ثمار أشجارها عندما قرر أحد المستوطنين فتح نيران سلاحه على المزارعين، فاستشهد فريد على ظهر شجرة الزيتون، واختلط الزيت بالدم، ومات فريد واقفاً كالأشجار، وانغرست ذكراه هناك على قمة الجبل.
بعدها بأعوام توفي جدي، وأحرقت شجراتنا القريبة من المستوطنة، واخترقها شارع ترابي أسفل السياج، وبتنا نشاهد أرضنا أو ما تبقى منها من بعيد. لا يسمح للمزارعين بالاقتراب من أراضيهم في مواسم قطف الزيتون القريبة من جبل "الجَدوع" تحديداً، وفي الشهور الأخيرة تجرأ المستوطنون على مهاجمة منازل المواطنين التي تزحف باتجاه المستوطنة، فتصدى لهم شباب البلدة.
إلى الغرب من بلدة بيت فوريك تقع مستوطنة "إيتمار" وتمتد على طول السلسلة الجبلية طرق التفافية لتصل جنوباً إلى جبل "الجَدوع" أو "الشيخ محمد" حسب ما يطلق عليه أهالي البلدة. وكلما اتجهنا شرقاً نرى كنتونات وبركسات جديدة تزحف على سلسلة الجبال الجنوبية التي تصل إلى خربة "طانا" التابعة للبلدة.
الكاتب: علي حنني
المحررة: هيا قيسية
2014-07-08 || 08:41