افتتاح قصر الثقافة في طوباس
تقرير: سياسة الضم حول القدس تؤدي إلى تهجير ممنهج للفلسطينيين
مذكرة تفاهم من صفحة واحدة لإنهاء حرب إيران.. ما تفاصيلها؟
ارتقاء 8 مواطنين في يوم دامٍ بقطاع غزة
الإعلان عن برنامج فعاليات إحياء الذكرى 78 للنكبة
ناصر أبو بكر نائباً أول لرئيس الاتحاد الدولي للصحفيين
فايننشال تايمز: نتنياهو يخطط لاستخدام آليات إدارية وقانونية لضم الضفة
إعلام إيراني: المقترح الأمريكي يتضمن بنوداً غير مقبولة
طولكرم: بحث تحديات العمال وسبل تعزيز الحماية الاجتماعية
تجريف 200 دونم واقتلاع آلاف الأشجار شرق الخليل
صدمة في تل أبيب: إسرائيل تواجه صعوبة في فهم ترامب
الجيش يخطر بوقف العمل في 8 منازل في قرية الديرات
اعتقال شاب من طوباس
باكستان "متفائلة جدا" بشأن الوصول لاتفاق أمريكي إيراني "دائم"
فيديو.. اقتلاع أشجار زيتون شمال دير استيا
"وفا" تحصد جائزة صورة العام 2025 على موقع ويكيميديا
ميلوني تندد بصور إباحية لها مزيفة بالذكاء الاصطناعي
البراءة للفنان فضل شاكر
إخطارات بهدم 50 محلا تجاريا ومنشأة في العيزرية
إن نقطة القوة في أعمال عبّاد يحيى هي الرمزية، التي تفتح في النص منافذ لما يمكن أن نصفه بطبقات المعنى. قد نبالغ أحيانًا في محاولة تحويل كل شيء إلى رمز له بعد إيحائي، لكن هناك أسباباً حقيقية تدفعنا لذلك، فعباد يكتب بذكاء.
عمل عبّاد يحيى الأخير؛ "جريمة في رام الله" هو أكثر أعماله نضجًا من ناحية بنائية وفنية، أكثرها تماسكًا وأقدرها على أسر القارىء من بدايته حتى نهايته.
"جريمة في رام الله" على سلاستها، إلا أنها رواية شائكة موضوعًا ودلالة، فالبناء الروائي الذي قد يبدو انسيابيًا رغم معالجته لاضطرابات عميقة، لا شك أنه بناء معقد في جوهره؛ إذ استطاع أن يحمل كل هذا الثقل ثم يحافظ على جمالية السرد.
ما يميز عمل عباد يحيى هو المعنى المركب الذي استطاع تشكيله من خلال الدلالات اللغوية والرموز، من أكثرها وضوحًا حتى أصغر التفاصيل. إنه عمل يحيلك إلى قضايا كثيرة ومعانٍ متراكمة، ويصبح فيه ما لم تقله الشخصيات بنفس أهمية ما قد قيل، وما يغيب عن المشهد لا يقل سطوة عما يحدث فيه.
بطرح ثيمات في غاية الإشكالية، مثل قضية المثلية، فإن الرواية تواجه بوضوح ثقافة المجتمع القائمة على العلاقة الثنائية بين الأضداد، ليضعه –أي المجتمع- أمام علاقة من نوع آخر؛ (علاقة بين الأشباه) تذيب المعنى السائد أو المعروف.
يكشف العنوان؛ "جريمة في رام الله" للقارىء، أن هناك جريمة ما سوف تحدث، لكنه أيضًا عنوان مخادع، من حيث أن الجريمة بحد ذاتها ليست هي الموضوع، فهي تكتسب أهميتها بسبب ما تحدثه من تغيير في حياة شخوص الرواية، لكنها كحدث يكتنفه الكثير من اللبس والغموض؛ بدءًا من قلة ما نعرفه عن الضحية وصديقها، إلى انعدام الشكوك حول هوية القاتل ومجهولية الأسباب، وانعطاف الأحداث بسرعة باتجاهات مختلفة؛ كل هذا يجعل الجريمة حدثًا غير قابل للتطور، وتكمن أهميته الوحيدة في أثره الكبير على حياة الأبطال، قد نعتقد أن مصائرهم تتلاقى نتيجة جريمة عبثية، لكن، من وجهة نظر أخرى، فإن ما يجمع هذه الشخصيات هو كونهم ضحايا المكان والمنظومة والحالة والأمر الواقع، والجريمة المرتكبة بحقهم أكبر وأكثر خطرًا، ولعلها الفكرة نفسها التي توصل إليها نور بعد سجنه وتعذيبه، فيقول: "أتأكد أنني لم أكن متهمًا في جريمة القتل، بل بأكثر الجرائم شيوعًا، محاولة أن أكون أنا".
ولربما كان العنوان "جريمة في رام الله" كذلك لا يشير إلى جريمة القتل، بل إلى جريمة أخرى أكبر وأكثر خطورة.
تقع أحداث الرواية في مدينة رام الله، المكان البطل في الرواية، بل تكاد تنحصر في جزء منه، وهي بذلك غارقة في المحلية، فالقرى التي جاء منها أبطال الرواية تبقى تحت اسم "القرية"، رام الله وحدها تكتسب حيوية على حساب كل شيء، وكأنه ليس لسواها وجود بالنسبة لهؤلاء الأبطال؛ رام الله عالمهم المنغلق والمتوحد، المنفصل لدرجة تعتقد معها أنه غير موجود وغير حقيقي، لأنه لا يشبه شيئًا مألوفًا.
هذا العالم الذي يسمح لهم بأن يكونوا هم، هؤلاء الأشخاص في فرادتهم، الذين وجدوا في رام الله منفذًا نحو حياة مختلفة؛ كان المكان نفسه الذي سحقهم لحظة ضعفهم.
تدور الرواية على لسان ثلاث شخصيات رئيسية: رؤوف، نور ووسام. رؤوف ونور يروي كل منهما حكايته رواية ذاتية، يخبر الواحد منهما قصته كما اختبرها، بأدق تفاصيلها، فيما يعرف بالراوي الحاضر، في حين أن حكاية وسام يرويها راوٍ خارجي، أو ما يعرف بالراوي الشاهد.
هذا الفرق في نوع الرواة يمكن أن نعزوه إلى طبيعة قصة كل شخصية، حين يروي كل من رؤوف ونور تجاربهما الشخصية ولحظات في غاية الخصوصية، تلك التي لا يختبرها الإنسان إلا مع نفسه، وبالتالي فالراوي الحاضر أو الرواية الذاتية تنقل للقارىء الإحساس بخصوصية التجربة.
أما وسام، الذي رويت قصته على لسان راوٍ شاهد أو خارجي، فهذا من شأنه أن يجعله يبدو عاجزًا تمامًا عن السيطرة على مصيره. يروي الصوت الخارجي حكايته الأليمة أو يرسم قدره المحتوم.
لكن الأهم من ذلك، أن عباد يحيى استطاع أن يخلق شخصيات ناضجة تتمايز بأصواتها وحديثها وعباراتها.
ليس غريبًا على عباد يحيى تناول موضوعات إشكالية، فهذا ما ميّز أعماله السابقة أيضًا، ولا توظيفه لأدوات معرفية من علم الاجتماع لتفكيك ظواهر وقضايا اجتماعية وإنسانية غريب أيضًا. هناك قدر من الاشتغال الذي نلمسه في أعمال عباد والذي أتى أفضل ثماره في العمل الأخير؛ العناية التي ترفع العمل الأدبي إلى مرتبة جديدة، حيث يكون قادرًا على إعادة تعريف المفاهيم والأشياء؛ فالعمل الذي لا يفتح نافذة جديدة على المشهد لن يستطيع أن يعيد أو يساهم في إعادة قراءته، أو تشكيل فهم ومعانٍ جديدة.
الكاتبة: أناستاسيا قرواني
*نقلاً عن موقع انكتاب