رحلتي مع التوجيهي في سجون الاحتلال
في الوقت الذي يبتكر فيه الآباء سبلاً لتوفير أجواء آمنة ومناسبة لأبنائهم الذين يقدمون امتحان الثانوية العامة، هناك أبناءٌ لنا يقدمون التوجيهي في سجون الاحتلال حرموا من عائلاتهم ومن فرصتهم في خوض هذه التجربة الفارقة في حياة كل طالب بشكل طبيعي، ويلاقون مع ذل
في أقسام الإداري في سجن النقب الصحراوي عام 2005 كانت المرة الأولى التي أقدم فيها امتحانات الثانوية العامة، اختلط عليّ الأمر بعض الشيء، فلم أتوقع هكذا مشهد، وبالتأكيد لم يتوقعه أحد لي، خاصة بعض أساتذتي في مراحل الدراسة الذين كانوا يقولون لي دائماً "أنت مكانك مش هون".
في "النقب" افتتحنا أقساماً للسجن الإداري أطلق عليها اسم "البيارة". وبعد الاستقرار لفترة في الأقسام الجديدة، جاء صباح الامتحان الأول، ودخل علينا مراقبان من التربية يحملان دفاتر ملونة وكتب المواد التي سنقدمها. وتم استقبالهم في إحدى الخيام على مائدة الإفطار، وتشكلت لجان من الأسرى القادرين على حل أسئلة الامتحانات بالاستعانة بالأجهزة الخلوية التي كانت متوفرة بكثرة في ذلك الوقت.
تجمعنا في ساحة القسم وبدأت عملية تعميم الإجابات على الطلبة المتقدمين، فالدفاتر جميعها تحمل حلاً واحداً باختلاف الخطوط والأسماء. تقدم حينها لامتحان الثانوية العامة ما يقارب الألف أسير من مختلف السجون، نجح منهم 350 طالباً من مختلف التخصصات، لكن للأسف أنا لم أكن واحداً منهم.
المحطة الثانية
في مطلع عام 2006 تحولت إدارة سجن "مجدو" من الجيش إلى "الشاباص"، وافتتحت أقساماً جديدة في ظل نظام السجون المركزية، انعدمت معها الأجهزة الخلوية بسبب الإجراءات المشددة، وكنت من أوائل الواصلين هناك، وكان الغبار يغطي الساحات والغرف.
حان موعد تقديم امتحانات التوجيهي، وقدمت الامتحانات بسلاسة وبطريقة مشابهة للمرة الأولى، وكانت لجان الحل في الأقسام المختلفة تتبادل الإجابات عن طريق السجانين (السهيريم)، وما هي إلا أيام حتى انتهى التوجيهي وبقي انتظار النتائج، طلبت حينها الانتقال إلى سجن "النقب"، وعند مغادرة "مجدو" تم توزيع "البوسطة" على جميع السجون، وكان سجن "هشرون" من نصيبي.
وفي صبيحة أول زيارة لي بعد ذلك، كان اسمي مع المنقولين إلى سجن "نفحة" الصحراوي. طلبت من أحد الزائرين أن يسأل أهلي عن نتيجة التوجيهي لأنها كانت تصدر في قوائم خاصة منفصلة عن نتائج التوجيهي العادي، في هذه الأثناء كنت مغادراً إلى صحراء فلسطين التي لم أزرها من قبل إلا مقيداً.
افتتحنا سجناً جديداً بجانب "نفحة" أطلق عليه اسم "رامون"، نسبة إلى التلة التي أقيم عليها. وصلت بعد أيام نقلية أخرى من سجن "هشرون" وكان معها رد أهلي بأنني لم أوفق في التوجيهي هذه المرة أيضاً، كانت نسبة المتقدمين وكذلك الناجحين مشابهة للسنة السابقة، وذلك لكثرة عدد الأسرى في تلك الفترة.
عدت إلى القسم الذي كنت فيه قبل عامين في "النقب"، وبعد فترة قمعت خيمتنا بسبب مشكلة، وزعنا على إثرها على مختلف السجون، وذلك بعد أن قضينا أسبوعاً في معبر "الرملة". هناك قابلت د. ناصر الدين الشاعر، وزير التربية والتعليم آنذاك الذي كان في الزنزانة المقابلة لي، وسألته عن التوجيهي، فأكد لي بأنه سيتم هذا العام في وقته وبأن الدفاتر سيتم تصليحها بدقة، ولن يظلم أحد.
الثالثة ثابتة
تفاءلت كثيراً هذه المرة، وقلت "الثالثة ثابتة". وصلت إلى سجن "شطة" شمالاً في مطلع 2007، فكانت الأقسام قديمة ولم نفتتحها كما في المرات السابقة، كنت أقدم في الفرع العلمي في السجون كما في الخارج قبل الاعتقال، حيث انتظمت مدة شهرين في صف التوجيهي العلمي.
ومع أول يوم في امتحانات التوجيهي وصلت الأخبار السيئة، وهي منع إدارة السجون إدخال كتب ودفاتر الفيزياء والكيمياء بحجة خطورة هذه المواد على أمن السجون، فتقدمنا للفرع العلمي بشكل طبيعي، لكن تم استبدال المواد الممنوعة بأخرى من الفرع الأدبي.
وبعد الإفراج عني في نفس العام انتظرت النتائج التي تأخرت كثيراً هذه المرة، لأفاجأ بعدها بكشف علامات للفرع الأدبي بمعدلات سيئة جداً، وبثلاث مواد يجب عليّ دراستها خلال شهرين لإكمالها مع طلبة التوجيهي لعام 2008، وهذا ما حدث ليطلبوا منا بعد نهاية التوجيهي التحضير لتقديم مادة التكنولوجيا خلال أسبوع لأنها حذفت لهذا العام ووجبت علينا.
وأخيرا، ظهرت نتائجنا مع نتائج التوجيهي العادي، ونجحت بتقديرٍ جيد بعد أن اجتهدت في الأربع مواد التي أكملتها رغم ضيق الوقت المخصص للاستعداد لها.
هذه كانت رحلتي مع التوجيهي في سجون الاحتلال، ومن خلالها تشكلت لدي ولدى غالبية الأسرى قناعة بأن نتائج التوجيهي في السجون يتم التعامل معها دون الرجوع إلى الدفاتر، أو حتى تصليحها.
الكاتب: علي حنني
المحرر: ياسمين كلبونة
2014-06-17 || 06:54