يعجبني ولا يعجبني في ألمانيا - الحلقة 27
إن كنت ممّن يفكّرون بالسّفر إلى ألمانيا والعيش فيها، فلا مناص لك من قراءة ما يكتبه الصحفي والكاتب الفلسطيني حكم عبد الهادي عنها. عبد الهادي، الذي مضى على إقامته في ألمانيا 58 سنة، يوجز خلاصة تجربته وانطباعاته عن المجتمع الألماني في مجموعة مقالات بخفة دم.
يقول اليهود عن أنفسهم، إنه إذا اجتمع يهوديان فإنك ستسمع منهم ثلاثة آراء حول أمر ما، والألمان يقولون إنه إذا اجتمع ثلاثة ألمان فسيؤسسون جمعية. من الناحية القانونية لا يحق لأقل من سبعة أشخاص أن يفعلوا ذلك، فالجمعيات تخضع منذ 220 عاما، كمعظم نواحي الحياة، إلى نظام عتيق وبيروقراطية صارمة ومعقدة. تكاد لا تجد مجالا بسيطا كهواية تربية الأرانب والحمام إلى الأعمال المهمة الربحية وغير الربحية والتي تصل ميزانياتها إلى ملايين اليوروهات إلا والتقيت بإناس منخرطين بكل حماس في هذه الجمعية أو تلك. أكثر من 580 ألف جمعية تمارس عملها في ألمانيا في إطار حرية التجمع وتأسيس الجمعيات. وإذا أردت أن تندمج في المجتمع الألماني، فستجد نفسك عضوا في جمعية أو أكثر. وعلى سبيل المثال كنتُ عضوا في اتحاد طلبة فلسطين وفيما بعد في اتحاد العمال العرب وفي جمعية العلماء الألمان وما زلت عضوا في الجمعية الألمانية الفلسطينية وفي نادي تنس الخ. يوجد في نادي بايرن ميونيخ لكرة القدم أكثر من 200 ألف عضو ومن هؤلاء من يتبرع بآلاف اليوروهات لنصرة هذا الفريق، الذي يعتبر من أغنى نوادي الكرة في العالم. هناك أكثر من 8 بالمئة من السكان (6,5 مليون شخص) منظمون في 27000 جمعية كرة قدم وفي هذا الإطار يتم تدريب الشبيبة ويشمل ذلك الأطفال، الذين منهم يأتي كبار نجوم الكرة في فرق البوندسليغا الذائعة السيط. من المصلحة الخاصة إلى الشأن العام ويمكننا أن نقول، إن تاريخ الجمعيات يعكس تاريخ ألمانيا ومرحلة الانتقال من الإقطاع والأرستقراطية إلى مرحلة التنوير والمواطنة وسيطرة المجتمع المدني، ففي الجمعيات تحققت المساواة بين جميع شرائح المجتمع. على سبيل المثال تأسست في عام 1765 في هامبورغ "الجمعية الوطنية"، التي ما زالت تعمل بنشاط حتى يومنا هذا في ميادين الصحة وغيرها. ويذكر أن هذه الجمعية علمت المواطنين زراعة البطاطا وأسست مكاتب عامة. ويمكننا باختصار أن نشير إلى أن الجمعيات تجسد الانتقال من التركيز على المصلحة الخاصة إلى الشأن العام. لا يعجبني التطرف في بعض الأحيان لقلة من أعضاء هذه الجمعيات وأذكر منها عتاة كرة القدم الذين يسمون ب “الهوليغينز”، فهم لا يتورعون عن ارتكاب حماقات عدوانية في ملاعب كرة القدم وخارجها وقد أصبح هؤلاء مشكلة حقيقية للشرطة والناس. لا يعجبني أيضا من يسمون بجمعيات “الروكر”، الذين يرتدون ملابس جلدية سوداء ويتجولون بدراجاتهم النارية ويرتكبون أحيانا أعمالا إجرامية تشمل التجارة بالمخدرات والاشتباك الدموي مع أعضاء جمعيات روكرية أخرى. هذه ظواهر جانبية تضيع في بحر النشاط الاجتماعي الذي تحققه الجمعيات على جميع الأصعدة، ليس في المانيا فقط وإنما في الدول الإسكندنافية وهولندا وغيرها من الدول الأوروبية المتقدمة. أسسوا جمعيات يا ناس في بلادنا فهي خميرة المجتمعات الحديثة. الكاتب: حكم عبد الهادي المحررة: سارة أبو الرب *هذا المقال لا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر دوز
2016-05-12 || 15:22