رغم جمالها.. أكرهها
دمشق الصغرى، وجبل النار الذي اشتعل لأجل سكانه، جبالها وسهولها مياهها وترابها، نسيمها وعائلاتها الكبيرة التي تقطن في أرجائها، مع كل ذلك أكرهها!
أشتكي ظلمها وأنوح الملل فيها وكثيرا ما أتمنى أن أغادرها بلا عودة. أشعر كثيرا بأنني مللت سكانها ومللت العيش فيها، نعم هي نابلس محبوبتي التي لا أستطيع أن أفارقها، فحين أبتعد عنها يوما أعود مهرولة لأشتم رائحة نسيمها وأردد "ما أحلى ريحتك يا نابلس". أحب ناسها وأشعر أنني بين أهلي وأحبتي.
لا لست متناقضة، فمشاعر الحب ومشاعر الملل تختلط داخل الإنسان وهذا أمر طبيعي، لكن شعوري بالملل أحيانا ورغبتي بمغادرتها هو حديث فارغ أشكوه لنفسي لأني أعلم أنني لن أستطيع البوح به لأحد، فهذه ليست الحقيقة التي أقتنع بها وليس من طبعي النطق بغير قناعاتي يوما.
ورغم شكواي الكثيرة، فنابلس أحيانا غير منظمة و أحيانا غير نظيفة وأحيانا أخرى لا تمتلك الأماكن الكافية لتزيح عني الملل، إلا أنها الحضن الذي يتسع لنا جميعا. هي كالأم تحتضنك دون أي مقابل، تزودك بنسيمها وكأنه انتقام منك، فتزيدك بذلك جرعة جديدة من حبها. ترابها يشعرك بالضعف، فلن تستطيع إلا أن ترتمي عليه. أزقتها تحكي لك قصة حضارتها وتزيدك تعظيما لهذه المدينة وفخرا بها.
رغم كوننا أبناء "فلسطين" جميعا ورغم جمال فلسطين من شرقها لغربها، إلا أنني أدركت كطفلة ولدت في نابلس وشابة درست فيها وعاشرت أهلها وستعمل بين أروقتها، أني لا أستطيع سوى أن أحبها، فحبها "كالمخدر" أدمنه ولا بد لي بجرعات من عليلها. رغم مرارتها سأحبها، ورغم ظلمها سأحبها، فلا حب سوى حب نابلس.
أتنقل كثيرا بين المدن الفلسطينية وأحيانا كثيرة أغادر نابلس لأيام عديدة، لكنني أشعر بأني كالطفل التائه الذي يبحث بين المارين عن والدته ولن يهدأ سوى بحضنها. حين أصل مشارف نابلس ترتسم ابتسامة على وجهي دون إرادتي، أطالع وجوه الناس وكأني أعرفهم مسبقا، أتمعن في شوارعها التي مللتها من كثرة مروري فيها وأشعر كأني لأول مرة أسير فيها، وأنطق بجملتي المعتادة، والتي كاد جميع أصدقائي وعائلتي يحفظها وهي "ما في أحلى من نابلس، ما أحلى ريحتك يا نابلس".
الكاتبة: آية عشيبي
المحرر: هيا قيسية
* هذا المقال لا يعبر بالضرورة عن رأي دوز
2014-06-04 || 20:15