يستطيع الناظر لسهل بيت فوريك من قمة جبل العين المجاور أن يرى وادياً من المياه يمتد على طول مسافة كيلومتر ونصف، بدءاً من سياج محطة تنقية بيت دجن المقامة على سهل بيت فوريك وحتى قريباً من منازل قرية بيت دجن. شدّنا الفضول للسير مع هذا الوادي ومشاهدة تأثيره على المزارع والأراضي الزراعية من كلا الاتجاهين.
توجهنا عبر طريق ترابية يستخدمها أصحاب المزارع في منتصف السهل. تستمر المياه في الانسياب بهدوء وتبدو للوهلة الأولى بأنها لا تتحرك، مررنا بمزرعة لم يمنع السياج المحيط بها المياه ذات اللون الأسود من الدخول إليها لتغرقها بشكل كامل. سألنا عن مالك هذه المزرعة، فقال لنا جيرانه إنه باعها في الصيف الماضي عندما كانت المياه جافه، وتفاجأ مالكها الجديد بوضعها الحالي.
[caption id="attachment_68014" align="aligncenter" width="752"]

مزرعة مسيجة غرقت بالمياه العادمة من مخلفات محطة التنقية[/caption]
حفرت "المياه العادمة" كما يسميها المزارعون ممراً لها في طريق اعترضتها وأكملت مسيرها بالاتجاه الغربي متجاوزة آلاف الدونمات الزراعية التي تزرع سنوياً بالقمح والبيكياء والتنتان والشعير والبقوليات والمقاثي وغيرها.
استوقفنا المزارع أدهم ربحي خطاطبة، الذي كان قادماً من الاتجاه الآخر للمياه، وسألناه ماذا يفعل؟ فأجاب: بأنه كان يعتني بأرضه التي زرعها وتحدث لـ
دوز عن معاناته في الوصول إليها خشية أن تنغرس قدماه في الأرض المبتلة، لذلك اضطر للالتفاف مسافة طويلة والسير على مجموعة من الأحجار ليستطيع العبور.
[caption id="attachment_68015" align="aligncenter" width="752"]

من هنا تبدأ مخرجات محطة التنقية وتسير باتجاه الغرب بين المزارع[/caption]
ويضيف خطاطبة: "هذه المياه العادمة آفة تهدد مزروعاتنا، فإغراق التربة بكميات كبيرة من المياه يحرق الزرع، وأنا أخشى على محصولي الذي كلفني ألفي شيقل". ويتابع: "لا أعلم كيف سأحصد محصول البيكياء، فالتركتور الذي قام بحراثة الأرض اضطر للالتفاف عن طريق قرية بيت دجن خشية أن يغوص في تربة السهل المبتلة. كل ما أريده هو الذهاب والعودة إلى أرضي بسهولة، وأن لا تفقد الأرض قيمتها بسبب هذا الوضع".
مستنقعات وسط المزارع
أكملنا طريقنا بنفس الاتجاه وكلما تقدمنا تزداد المستنقعات التي تشكلت بفعل المياه المتدفقة باستمرار، توقفنا بالقرب من مزرعة عبد الله وشريف الشرقاوي، والتقينا بالشرقاوي الذي قال: "تتدفق المياه من منتصف فصل الخريف إلى منتصف فصل الربيع وطوال الشتاء، وفي الصيف فقط تنقطع، لأن القائمين على المحطة يقومون بتصريفها على بعض المزارع المحيطة بها، وفي العام الماضي حاولوا نضح المياه بواسطة التنكات وتوقفوا بعد أن غرزت عجلات إحداها في الأرض المبتلة".
[caption id="attachment_68016" align="aligncenter" width="752"]

يقول شريف الشرقاوي: إذا تجمعت المياه النظيفة "بتخِم" بعد فترة، فما بالك بالمياه العادمة؟[/caption]
ويستذكر الشرقاوي: "أنشأنا هذه المزرعة قبل عشرين عاماً، تسكن هنا أربع عائلات، ومنذ عامين أصبحنا نخشى ارتفاع درجات الحرارة بسبب الروائح الكريهة والبعوض والحشرات التي تسببها هذه المستنقعات القادمة من مياه محطة التنقية". ويشتكي الشرقاوي من كبر حجم البعوض، ويتساءل "كيف سنشعر بالأمان عندما يربوا هذا البعوض على مياهٍ عادمة ويأتي ليمتص دماء أطفالنا؟"
ويشير شريف الشرقاوي إلى لون المياه السوداء، ويستبعد أن تكون هذه المياه منقاة ويطالب أن يتم فحصها للتأكد من سلامتها للمزروعات والمحيطين بها. ويضيف: "أمام مزرعتنا يوجد مزرعة أغنام غارقة بالمياه العادمة وصاحبها لا يأتي إليها إلا مرة في الأسبوع، ولا يستطيع تربية المواشي فيها بمثل هذا الوقت من العام".
[caption id="attachment_68017" align="aligncenter" width="752"]

شريف الشرقاوي ومراسل دوز علي حنني بجانب مزرعته تصوير: علاء حنني[/caption]
مررنا بأحد السكان القريبين من المحطة الحاج عارف سليمان نصاصرة وقال إنه يسكن هنا منذ 22 عاماً وهو اختار هذا المكان بسبب بعده عن المباني السكنية لكي يربي فيه أغنامه وليعمل أولاده في الحدادة. ويؤكد بأن هذه المحطة مؤذية بشكل كبير، فالرائحة الكريهة وخاصة في فصل الصيف عند المساء تزعجهم. ويقترح إزالة المحطة لأن مكانها غير مناسب، أو عمل خط ناقل للمياه الخارجة منها أو تصريفها بطريقة لا تؤذي المحيطين بها.
موقف بلدية بيت فوريك
توجهنا لمركز الصحة في بلدية بيت فوريك وتحدثنا مع مراقب الصحة هناك عطاء سمارة بخصوص مشكلة المياه العادمة التي تغرق سهل بيت فوريك. فقال: "وصلتنا عدة شكاوى من المواطنين بخصوص مخلفات محطة التنقية وأول شكوى وصلت بتاريخ 16.12.2014، وقمنا برفع 19 كتاباً رسمياً إلى أصحاب العلاقة ولم يصل لنا أي رد".
[caption id="attachment_68018" align="aligncenter" width="752"]

لن يستطيع صاحب هذه الأشجار حراثتها ولا العناية بها مع هذه المياه الراكدة[/caption]
ويفصل مراقب البلدية لـ
دوز: "توجهنا بستة كتب رسمية إلى مدير مديرية صحة نابلس، وخمسة كتب إلى سلطة جودة البيئة، وكتابين إلى محافظة نابلس، وكتابين إلى رئيس مجلس قروي بيت دجن، وكتابين إلى مدير الإغاثة الزراعية، وكتاب إلى وزارة الزراعة، وكتاب إلى سلطة المياه، طلب فصل التيار الكهربائي عن قرية بيت دجن إلى محافظة نابلس. ولم يصلنا أي رد من جميع هذه المؤسسات الرسمية".
ويعلق رئيس بلدية بيت فوريك الحاج عارف حنني على المشكلة قائلاً: "نحن في حيرة من أمرنا وعاجزين عن حل هذه المشكلة ونتعرض لضغوطات من المواطنين. لم نترك باباً لم نتوجه إليه بشكل رسمي، ولم نوفق في إيقاف تدفق هذه المياه، قمت بمحاولة شخصية بوضع سواتر ترابية في طريق المياه بجانب المحطة وهذا لم يجد نفعاً، واستمرت المياه في التدفق".
ويقول عطاء سمارة: "زار المحطة مفتشان من صحة نابلس وسلطة جودة البيئة، وعند سؤالنا عن نتائج الزيارة كان ردهم بدون تعليق". وبعد ذلك أرسلت الصحة في مدينة نابلس مراقبها مرة أخرى للمحطة، ورافقهم
دوز بدعوة من مركز صحة بيت فوريك وصفحة بيت فوريك أولا، واطلعنا على آلية عمل محطة التنقية. وقد رفض مراقب صحة نابلس تزويدنا بأية معلومات عن نتائج الزيارة، وطلب منا أن ننتظر الرد عن طريق مركز صحة بلدية بيت فوريك، وقد راجعناهم أكثر من مرة ولكن لم يصلهم أي رد.
[caption id="attachment_68019" align="aligncenter" width="752"]

خلال زيارة مراقب صحة نابلس ومراقب مركز صحة بلدية بيت فوريك للمحطة[/caption]
ويطالب مراقب مركز صحة بلدية بيت فوريك عطاء سمارة مجلس قروي بيت دجن ووزارة الصحة والإغاثة الزراعية أن "يُجروا فحوصات على مخرجات محطة التنقية، وأن يطلعونا عليها للتأكد بأنها صالحة للزراعة، وأن يكفوا عن إطلاقها باتجاه الأراضي الزراعية حتى ولو كانت نقية".
آلية عمل المحطة
تحدثنا إلى مسؤول تشغيل محطة تنقية بيت دجن عزمي حنايشة، وشرح لنا آلية عملها، وقال: "يدخل إلى محطة التنقية يومياً (120 كوباً) من المياه العادمة ويخرج منها نفس الكمية، تمر المياه العادمة بمصفاة لتزيل العوالق الكبيرة، ومن ثم توضع في حوض للمياه مزود بثلاث مضخات أكسجين تضخ إلى المياه لتبقي البكتيريا حية من أجل أن تقوم بعملية التنقية".
[caption id="attachment_68020" align="aligncenter" width="752"]

أثناء ضخ الأكسجين في الحوض لكي تقوم البكتيريا بعملية التنقية[/caption]
ويتابع حنايشة: "تنقل المياه بعد هذه العملية إلى حوض لتنقية المياه يحتوي على اسطوانات حديدية تقوم بالحركة وتخرج منها المياه نقية ويضاف عليها الكلور وتصبح جاهزة للاستخدام الزراعي". وعند سؤاله عن سبب ضخ هذه المياه إلى السهل المجاور، أجاب بأن هذا مجرى واد طبيعي، ولا يوجد في فصل الشتاء من يقوم بري مزروعاته وهذا يسبب لهم مشكلة في تصريف المياه الناتجة.
[caption id="attachment_68021" align="aligncenter" width="752"]

حوض التنقية الثاني قبل عملية إضافة الكلور إلى المياه النقية[/caption]
ويضيف حنايشة: "ثقافة المزارع لا تتقبل ري مزروعاته بمياه خارجة من محطة التنقية، ونحن على استعداد لتوريد المياه لمن يحتاجها من المزارعين المحيطين". وعن سبب الروائح الكريهة في الشتاء يقول، إن برودة الجو تقتل البكتيريا التي تقوم بعملية التنقية، لذلك يصدر عن المياه رائحة.
[caption id="attachment_68022" align="aligncenter" width="752"]

لم يسبق وأن تجمعت مياه الأمطار بهذا الشكل قبل إنشاء محطة تنقية بيت دجن شرقي البلدة[/caption]
قبل عامين لم يكن سهل بيت فوريك يطفو بالمياه العادمة، وحتى في أوقات الشتاء لم تكن المياه على هذا النحو. ويتخوف رئيس بلدية بيت فوريك من تجمع هذه المياه لقربها من البئر الارتوازية، التي يستخدمها المواطنون من بلدة بيت فوريك وقرية بيت دجن، ويقول: "مياه الأمطار تترسب في قاع الأرض إلى مخزون المياه الجوفية، ويمكن أن تترسب معها المياه العادمة لنجد أنفسنا بعد سنوات نشرب منها، وأسوء ما نخشاه أن تتطور الأمور لتصرفات فردية ومشكلات نحن في غنى عنها".
وكردة فعل من بعض شبان بيت فوريك قاموا عصر يوم الخميس الموافق 18.2.2016 بإغلاق الطريق المؤدية إلى بيت دجن احتجاجاً على استمرار تدفق المياه العادمة من محطة التنقية. وأشعلت هذه الأحداث موجة مشاحنات على مواقع التواصل الاجتماعي بين الطرفين. واجتمعت الفصائل والقوى الوطنية في بلدية بيت فوريك مع مجلس قروي بيت دجن وطرحوا المشكلة من أجل التوصل لحل يرضي الطرفين.
تحقيق وتصوير: علي حنني
المحرر: عبد الرحمن عثمان