يعجبني ولا يعجبني في ألمانيا - الحلقة السابعة
إن كنت ممّن يفكّرون بالسّفر إلى ألمانيا والعيش فيها، فلا مناص لك من قراءة ما يكتبه الصحفي والكاتب الفلسطيني حكم عبد الهادي عنها. فقد أوجز عبد الهادي، الذي مضى على إقامته في ألمانيا 58 سنة، خلاصة تجربته وانطباعاته عن المجتمع الألماني في مجموعة مقالات بخفة
إذا كسبت صديقا ألمانيا فستجده دائما متضامنا معك. في شمال ألمانيا يقول الناس، إنه عليك أن تأكل 50 كيلوجراما من الملح مع شخص ما لتحصل على صداقته. يعجبني ذلك، وإن كنت أرى أن المدة طويلة قليلا. هنا لا أبد أن أتحدث عن تجاربي الشخصية، على الرغم من كرهي لصفة عند الكثيرين من العرب، أبناء جلدتي، وهي التبجح بالذات. دائما العربي – او لنقل غالبا – يكون بطل القصة التي يرويها. شئ متعب ومخجل.
كنت أعمل أثناء العطلة الدراسية وأحيانا قبلها في مصانع الفولاذ، وكان أن تصادقت بسرعة نسبيا مع الميكانيكي إنجبيرت، الذي كان يحب البيرة والأصدقاء. وكان أن تصادمت مع زميل أظن أنه كان يمقت الغرباء، فتصدى له إنجبيرت قائلا: إياك وان تعتدي على صديقي، فقبل ذلك عليك أن تواجهني عضليا.كان صديقي أقوى شخص في الورشة.
صديق ألماني آخر رفض مغادرة مطار تل أبيب بدوني، لأن المخابرات الإسرائيلية أوقفتني وتركت طيارتي تطير بمقعدي الفارغ لأنهم عثروا في متاعي على كتب تتغنى بالمقاومة. قبل أن تقلع طيارتنا بدقائق عرض عليه المسؤول الإسرائيلي أن يسافر فيها لعدم توجيه أي تهمة إليه. رفض مشيرا إلى أنه لن يغادر المطار دون حضرتي. هذا الشخص صديقي منذ 50 عاما وأحرص على هذه الصداقة كما بؤبؤ عيني.
أحب في الألمان ديناميكيتهم، فهم يتحركون بسرعة فائقة بالمقارنة معنا نحن أبناء العروبة والإسلام، والكلام هنا ليس عن المشي فقط وإنما عن النشاط بصورة عامة، فهم يسبحون ويمارسون الرياضة بكثافة كبيرة. أجسامهم قوية. لكل ذلك أسبابه ولكنني لست بصدد إعداد دراسة معمقة ربما أعجز عنها، فأنا أعد رؤوس أقلام لا تخلو من التسالي والتعميم.
لا يعجبني في الألمان ويعجبني في الوقت نفسه حسمهم "المتطرف" في كثير من الأحوال. توجد كلمة في اللغة الألمانية لا أجد لها في هذه الساعة ترجمة دقيقة وهي Konsequenz (كلمة أصلها من اللغة اللاتينية) وتعني تقريبا أن يسير الإنسان في طريقه إلى هدفه حتى النهاية.
لو لم يكن هتلر ألمانيا (هتلر كان نمساوي الأصل ينتمي ثقافيا إلى ألمانيا وتراثها – النمسا وألمانيا لا تختلفان كثيرا عن بعضهما الآخر) لما راح ضحية سياسته والحرب العالمية الثانية التي فجرها ملايين البشر. هذه الحرب كادت أن تحطم معظم أوروبا وربما العالم كله. لم يتوقف هتلر عن الاستمرار في طريقه إلى أهدافه العنصرية المقيتة لولا صمود روسيا وتدخل أمريكا. حتى عندما اقتربت هزيمته المطلقة لم يقدم تنازلا واحدا، وفي النهاية قال ما معناه: إن الشعب الألماني لا يستحق الحياة لأنه تقهقر أمام الشعوب غير الآرية.
هتلر جاء إلى السلطة عن طريق الانتخابات التي ألغاها بعد أن تربع على سدتها، والشعب الألماني سار معه حتى النهاية تقريبا لأنه كان يفكر على نمطه الجنوني. من ناحية أخرى يعجبني هذا الـ Konsequenz لأننا بدونه لا نستطيع التوصل إلى الإنجازات العلمية والحضارية، فهي تعني في معناها الإيجابي الاستمرارية والمثابرة.
هلموت شميت، المستشار الألماني الأسبق، كان يوصف بهذا الحسم والمثابرة. علق عليه قبل عقود مضت أحد أبناء حزبه الاشتراكي لافونتين، الذي كاد أن يصبح خلفه فيما بعد، علق بقوله: صفات شميت تؤهله لأن يصبح رئيسا لمعسكر اعتقال نازي. هذا التصريح لاقى آنذاك اصداء ليست لصالح لافونتين، لأن الشعب الألماني يعتز بزعامة شميت وحصافة هذا السياسي المخضرم، الذي يصارع الموت في هذه الأيام وقد بلغ عمره 94 عاما. اعتذر لافونتين فيما بعد، ولكن تصريحاته تظل ذات قيمة لأنه وضع إصبعه في جرح بالعقلية الألمانية، التي لا تقتصر على هذه الظاهرة.
الكاتب: حكم عبد الهادي
المحرر: عبد الرحمن عثمان
*هذا المقال لا يعبر بالضرورة عن رأي دوز
2015-09-12 || 08:23