كشفت بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق الدولية المعنية بإيران، الخميس 17.09.2026، عن وجود أسباب معقولة تدعم فرضية ارتكاب الولايات المتحدة جرائم حرب في إيران، وتورط السلطات الإيرانية في جرائم ضد الإنسانية خلال حملتها الدامية لقمع الاحتجاجات المناهضة للحكومة.
وجاء ذلك في تقرير جديد أصدرته البعثة الدولية المستقلة، والمقرر تقديمه إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف، حيث تناولت نتائجه سلوك واشنطن خلال الحرب المندلعة ضد إيران في فبراير/شباط الماضي، إلى جانب رد الحكومة الإيرانية على الاحتجاجات المناهضة للحكومة في ديسمبر/كانون الأول 2025.
وأوضحت البعثة الأممية أن نتائج تقريرها ركزت على غارتين جويتين استهدفتا مدرسة ومنشأة رياضية في إيران في فبراير/شباط، مما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن 178 مدنيا، بينهم أطفال ونساء.
ويتناقض هذا الاستنتاج مع ما سبق أن أكده مسؤولون أمريكيون من أن العمليات العسكرية تُنفذ وفقا لقانون النزاعات المسلحة، في حين تنفي إيران باستمرار الاتهامات الموجهة إليها بارتكاب انتهاكات ممنهجة لحقوق الإنسان.
استهداف مدرسة مينابفي بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي، أصاب صاروخ أمريكي واحد على الأقل مدرسة "شجرة الطيبة" الابتدائية في مدينة ميناب جنوبي إيران، وفقا لتحقيق أجرته وكالة أسوشيتد برس. وذكرت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية حينها أن الهجوم أسفر عن مقتل 168 شخصا، معظمهم من الأطفال.
ووفقا لما أظهرته نتائج التقرير الأممي، فقد أصبح لدى الخبراء في بعثة تقصي الحقائق الدولية المعنية بإيران أسباب معقولة للاعتقاد بأن القوات الأمريكية مسؤولة عن هجوم مدرسة "الشجرة الطيبة" في ميناب، تتمثل في "شن هجمات عشوائية أسفرت عن مقتل أو إصابة مدنيين أو إلحاق أضرار بأهداف مدنية".
وخلصت البعثة إلى أن إخفاق الولايات المتحدة في تحديث بياناتها المتعلقة بالمدرسة -الواقعة بجوار مجمع للبحرية التابعة للحرس الثوري الإسلامي- ضمن قواعد بيانات الأهداف لديها، وتقاعسها عن التحقق من كون المبنى هدفا عسكريا، يتجاوزان مجرد الإهمال، بما يجعل الاستهداف يرقى إلى جريمة حرب بموجب القانون الدولي.
وأكد خبراء الأمم المتحدة أن المدرسة كانت هدفا مدنيا واضح المعالم، ولم يعثروا على دليل واحد يثبت استخدامها لأغراض عسكرية، مضيفين أن "الولايات المتحدة وجهت الضربات إلى مبنى المدرسة وهي على علم بوجود خطر كبير يتمثل في إصابة هدف مدني، وتصرفت بتهور إزاء احتمال وقوع ذلك".
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قد نفى في يونيو/حزيران الماضي وقوع أي استهداف متعمد للمدرسة، مشيرا إلى وجود تحقيق جار في الواقعة. وكانت وكالة رويترز أول من كشف أن تحقيقا داخليا أوليا للجيش الأمريكي رجح مسؤولية قواته عن الغارة الدامية في ميناب.
استهداف مركز رياضي في لامردكما توصلت البعثة الأممية إلى استنتاج مماثل بشأن ضربة استهدفت مركزا رياضيا في مدينة لامرد جنوبي إيران -في أول أيام الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران- إذ أفاد التقرير بأن الهجوم ألحق أضرارا بمبان سكنية ومدرسة، وأسفر عن مقتل وإصابة 22 مدنيا.
وخلصت نتائج التحقيق إلى أن الضربة هذه كانت عشوائية أيضا، وترقى بالتالي لجريمة حرب.
ومن جهتها، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) في بيان في مارس/آذار الماضي عدم تنفيذ القوات الأمريكية لأي ضربات داخل مدينة لامرد في ذلك اليوم.
مبنى متضرر إثر غارة جوية أمريكية على مدينة لامرد في 28 فبراير/شباط الماضي (أسوشيتد برس)انتهاكات السلطات الإيرانيةوتناول التقرير أيضا الانتهاكات التي يزعم أن النظام الإيراني ارتكبها ضد المدنيين خلال احتجاجات اندلعت أواخر ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي، والتي تتضمن عمليات قتل غير قانونية وتعذيبا واعتقالات تعسفية وإخفاء قسريا وقيودا مشددة على حرية التعبير، وفقا للتقرير.
وأكدت النتائج ضلوع السلطات الإيرانية في قمع المحتجين وتعذيبهم. وأفادت جماعات حقوقية بأن مارة لا صلة لهم بالاحتجاجات كانوا من بين ضحايا أوسع حملة قمع تشهدها إيران منذ الثورة الإسلامية 1979.
وأقرت البعثة بأنها لم تتمكن من التحقق بشكل مستقل من الحصيلة، لكنها رجحت أن تكون أعداد القتلى والمصابين أعلى بكثير من الأرقام الرسمية البالغة 3038 قتيلا و25 ألف مصاب.
وخلص التقرير إلى أن رد الحكومة على الاحتجاجات -بما تخلله من عنف وعمليات قتل وقطع للإنترنت ولجوء إلى عقوبة الإعدام– يمثل تصعيدا كبيرا يفوق الأنماط المعتادة في قمع المعارضة، وهو ما يصنف باعتباره جريمة ضد حقوق الإنسان.
في المقابل، تُحمّل طهران المسؤولية عما جرى في الاحتجاجات لـ"إرهابيين ومثيري شغب" مدعومين من معارضين في الخارج ومن خصمَيها، الولايات المتحدة وإسرائيل.
وتتألف بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق المعنية بإيران من خبراء مستقلين، برئاسة القاضية سارة حسين. وكان مجلس حقوق الإنسان -أعلى هيئة معنية بحقوق الإنسان في الأمم المتحدة- قد أنشأها عام 2022 عقب وفاة الشابة مهسا أميني أثناء احتجازها من قبل الشرطة الإيرانية.
المصدر: الجزيرة + وكالات