في مطلع العصر الميلادي، وضع الجغرافي إيزيدور الخاراكسي، مؤلفاً صغيراً حمل اسم المحطات الفرثية، وسجّل فيه مساراً طويلاً يمر بمدن الشرق ومحطاته، من مناطق الفرات باتجاه بلاد الرافدين وإيران. جاء النص في هيئة دليل للطرق، يذكر المدن والحصون والمسافات بينها، ويكشف جانباً من شبكة الاتصال التي ربطت سوريا ببلاد الرافدين والعالم الإيراني.
وفي هذا الطريق، ورد اسم دورا. سماها إيزيدور "دورا نيكانوريس"، وأشار إلى أصلها المقدوني وإلى الاسم اليوناني أوروبوس. وتكتسب هذه الإشارة أهميتها من موقع المدينة نفسه؛ فقد قامت على واحد من أبرز طرق الحركة في الفرات الأوسط، حيث عبر التجار والرسل والجيوش والمسافرون بين غرب آسيا وشرقها. وتكشف هذه البداية جانباً أساسياً من تاريخ دورا أوروبوس. فقد ارتبطت المدينة منذ وقت مبكر بالطريق والنهر والتجارة، ونشأت في منطقة شكلت صلة بين الداخل السوري وبلاد الرافدين.
والفرثيون قوة إيرانية كبرى حكمت إيران وأجزاء واسعة من بلاد الرافدين، وشكلت إحدى القوى المنافسة لروما في الشرق القديم.
تقع آثار دورا أوروبوس في محافظة دير الزور شرقي سوريا، قرب بلدة الصالحية، على الضفة الغربية لنهر الفرات، وتبعد قرابة تسعين كيلومتراً إلى الجنوب الشرقي من مدينة دير الزور، على الطريق الممتد باتجاه أبو كمال.
اختيرت المدينة على هضبة ترتفع فوق مجرى الفرات. منحها الجرف المطل على النهر حماية طبيعية من الشرق، بينما أحاطت بها أودية من جهات أخرى، وأقيم سور قوي في الجانب الغربي، وهو الجانب الأكثر اتصالاً بالصحراء والطرق البرية. وجمع هذا الموقع بين فائدتين أساسيتين: الدفاع والتحكم بالحركة. فمن الهضبة أمكن مراقبة النهر والسهول المحيطة به، ومن المدينة انطلقت طرق باتجاه تدمر والداخل السوري، في حين امتدت الطرق الأخرى بمحاذاة الفرات نحو مدن بلاد الرافدين. لهذا ارتبط تاريخ دورا بموقعها بقدر ارتباطه بالسلطات التي حكمتها.
تأسست دورا أوروبوس في العصر الهلنستي، في أواخر القرن الرابع أو مطلع القرن الثالث قبل الميلاد، ضمن المشروع السلوقي لتأسيس المدن والمستوطنات في مناطق استراتيجية من الشرق. وحملت المدينة منذ نشأتها عناصر يونانية واضحة في تخطيطها وإدارتها وتسمياتها، ثم دخلت في سنة 113 قبل الميلاد تقريباً تحت الحكم الفرثي. واستمرت المرحلة الفرثية قرابة ثلاثة قرون، وتركت آثاراً عميقة في المجتمع والثقافة والدين والفنون.
ازدهرت دورا خلال تلك المرحلة مركزاً محلياً على الفرات، وارتبطت بالتجارة بين سوريا وبلاد الرافدين. كما ظهرت فيها تأثيرات سورية ورافدية وإيرانية ويونانية ضمن مجتمع واحد. وفي سنة 165 للميلاد تقريباً انتقلت المدينة إلى السيطرة الرومانية، ودخلت مرحلة جديدة ارتبطت بالحامية العسكرية الرومانية وبالصراع المتزايد بين روما والقوى الإيرانية في الشرق. وتعبّر كلمة التخوم بصورة أدق عن موقع دورا السياسي في العصور القديمة. كانت التخوم نطاقات واسعة تتغير فيها السيطرة تبعاً للحروب والمعاهدات وحركة الجيوش.
دخلت دورا في أزمنة مختلفة ضمن المجال السلوقي ثم الفرثي ثم الروماني. ومع انتقالها إلى الحكم الروماني أصبحت جزءاً من المنظومة العسكرية الشرقية للإمبراطورية، في منطقة تواجه النفوذ الإيراني القادم من بلاد الرافدين.
ويمنح هذا التاريخ منطقة الفرات أهمية خاصة، فقد شكلت عبر قرون مجال اتصال وتنافس في الوقت نفسه. تحركت عبرها التجارة إلى جانب الجيوش، وانتقلت اللغات والأفكار والديانات مع البضائع والمسافرين. ومن هذه البيئة اكتسبت دورا أوروبوس شخصيتها المتعددة. وساعد موقعها في ازدهار النشاط التجاري. إذ كشفت الحفريات، "الأغورا" أي السوق العامة، ودكاكين ومخازن وورش ومنازل، إضافة إلى النقود والأواني والمواد المستوردة.
وتشير اللقى الأثرية إلى صلات مع مناطق مختلفة من حوض المتوسط والشرق. وصلت إلى المدينة أنواع من الفخار والمنسوجات والمواد الفاخرة، كما تحركت المنتجات المحلية على الطرق الممتدة بمحاذاة الفرات وعبر البادية السورية. وتظهر الأمفورات وأواني المائدة والجرار جانباً من ثقافة الطعام والشراب. ويحضر النبيذ ضمن المواد المعروفة في الحياة الاجتماعية والولائم، كما عُثر على أوانٍ فاخرة ارتبطت بالتقديم والشرب.
وتقدم الكتابات الصغيرة ولوائح المشتريات صورة أكثر قرباً من الحياة اليومية، إذ ترد فيها مواد مثل النبيذ والزيت واللحم والخضار والحطب وفتائل المصابيح. وتمنح هذه الوثائق قيمة خاصة لدراسة اقتصاد الأسرة والعادات الغذائية والأسواق المحلية. أما الحلي والمنسوجات وأدوات الزينة فتساعد في دراسة الملابس والمظهر الاجتماعي، وتظهر الرسوم والنقوش حضور النساء في الحياة الدينية والعائلية. وتقدم هذه المواد معلومات واقعية أكثر دقة من أي إعادة تخيل للحياة داخل المدينة.
تكشف دورا أوروبوس عن تعدد ثقافي واسع. فقد عثر الباحثون على نصوص ونقوش بلغات عدة، من بينها اليونانية واللاتينية والآرامية التدمرية والعبرية والفهلوية الإيرانية.
ويتكرر التنوع نفسه في المجال الديني. ضمت المدينة معابد لآلهة سورية ويونانية وتدمرية ورافدية وإيرانية، وظهر فيها معبد لميثرا، إضافة إلى كنيس يهودي ومبنى مسيحي مبكر. وتجعل هذه المجموعة دورا أوروبوس موقعاً أساسياً لدراسة التفاعل الديني في الشرق خلال القرون الأولى للميلاد. فالمدينة تقدم شواهد معمارية وفنية تنتمي إلى جماعات متعددة داخل مساحة حضرية واحدة.
أدى دخول الرومان إلى دورا في القرن الثاني الميلادي إلى زيادة أهميتها العسكرية. أقيمت فيها حامية كبيرة، وظهرت منشآت مرتبطة بالجيش، وانتشرت الوثائق والنقوش اللاتينية إلى جانب اللغات الأخرى. وضم الجيش في دورا جنوداً من مناطق متعددة، وكان من بينهم رماة تدمر ومجموعات مرتبطة بوحدات الجيش الروماني المنتشرة في الشرق.
ويُعدّ معبد ميثرا من أبرز الآثار المرتبطة بهذه المرحلة. ارتبط بجماعات عسكرية، وحفظت جدرانه نقوشاً ورسوماً قدمت معلومات مهمة عن انتشار عبادة ميثرا بين أفراد الجيش. كما أعاد الرومان استخدام أجزاء من المدينة بما يخدم الحامية، وأدخلوا تعديلات على المباني والتحصينات.
ثم شهد القرن الثالث الميلادي تحولاً كبيراً في التوازن السياسي للشرق مع صعود الدولة الساسانية في إيران. دخل الساسانيون في صراع متكرر مع الإمبراطورية الرومانية، ووصل هذا الصراع إلى دورا أوروبوس في منتصف القرن الثالث. حوالي سنة 256 للميلاد حاصرت القوات الساسانية المدينة. تكشف الحفريات عن أعمال عسكرية واسعة شملت الأنفاق تحت الأسوار والتحصينات المضادة التي أقامها المدافعون.
انتهى الحصار بسقوط دورا في يد الساسانيين، ثم دخلت المدينة مرحلة الهجر. حفظت الرمال والردميات أجزاء واسعة من مبانيها، وساعدت التحصينات الرومانية نفسها على بقاء بعض المنشآت الدينية تحت طبقات كثيفة من التراب. ولهذه الظروف فضل كبير في وصول عدد من أشهر آثار دورا إلى العصر الحديث.
أهم آثار دورا أوروبوستكشف مساحة الموقع عن مدينة واسعة ذات تخطيط منظم وشوارع متقاطعة. ومن أبرز بقاياها السور الغربي وأبراجه والبوابة التدمرية والقلعة والأغورا والمناطق السكنية والمنشآت العسكرية والمعابد.
تمثل البوابة التدمرية أحد أشهر عناصر التحصين في المدينة، وكانت المدخل الرئيسي من جهة الغرب. ويرتبط اسمها بالطريق المؤدي نحو تدمر وبالحضور التدْمري المعروف في دورا. أما القلعة فتقع في الجهة المطلة على الفرات، وتشكل جزءاً مهماً من الطابع الدفاعي للموقع.
وتكشف الأغورا عن المركز الاقتصادي والاجتماعي للمدينة، حيث تجمعت الأنشطة التجارية والإدارية في منطقة مركزية. وعُثر كذلك على عدد كبير من المعابد، من بينها معابد الآلهة التدمرية ومعبد ميثرا وغيرها من المنشآت الدينية التي تعكس تنوع سكان المدينة. ومن أهم اكتشافات دورا أوروبوس مبنى مسيحي يعود إلى القرن الثالث الميلادي. كان المبنى في الأصل منزلاً، ثم جرى تعديله ليخدم جماعة مسيحية محلية. احتوى على غرفة للمعمودية زينت جدرانها برسوم ذات موضوعات مسيحية، ومنها مشاهد مرتبطة بالمسيح والشفاء ونساء عند القبر.
تحمل هذه الرسوم أهمية كبيرة في تاريخ الفن المسيحي المبكر، وتعود إلى مرحلة سابقة لانتشار الكنائس الكبرى ذات الطراز المعماري المعروف في القرون اللاحقة. ونُقلت مجموعة من هذه الرسوم إلى جامعة ييل بعد أعمال التنقيب، وأصبحت جزءاً من أبرز المجموعات المرتبطة بدورا أوروبوس خارج سوريا. بينما يحتل الكنيس اليهودي السوري مكانة خاصة بين مكتشفات المدينة. فقد اكتشفه علماء الآثار خلال موسم حفريات 1932–1933 قرب السور الغربي. يرجع أصل المبنى إلى منزل خاص تحول إلى كنيس، ثم شهد توسعة كبيرة خلال القرن الثالث الميلادي.
يؤرخ نقش آرامي إحدى مراحل تجديده إلى سنة 244–245 للميلاد تقريباً، أي قبل سقوط المدينة بسنوات قليلة. وتكمن شهرة الكنيس في الرسوم الجدارية التي غطت قاعة الصلاة. تصور هذه الرسوم عدداً كبيراً من موضوعات الكتاب المقدس وشخصياته، ومنها موسى والخروج من مصر، وصموئيل، وداود، وإيليا، وإستير ومردخاي، وحزقيال. وشكل اكتشاف هذه الرسوم حدثاً مهماً في دراسة الفن اليهودي القديم. فقد قدم برنامجاً تصويرياً واسعاً داخل كنيس من القرن الثالث الميلادي، وأتاح للباحثين دراسة العلاقة بين النصوص الدينية والصورة والفن في المجتمعات اليهودية في العصر الروماني.
وكان في الجدار الغربي للقاعة موضع مخصص لخزانة التوراة ومتجه نحو القدس، وزينت المنطقة المحيطة به برسوم وعناصر زخرفية. وترتبط قصة الكنيس اليوم ارتباطاً وثيقاً بالمتحف الوطني في دمشق. فبعد اكتشاف الرسوم الجدارية عمل فريق التنقيب على توثيقها وفصلها عن الجدران الأصلية، ثم نُقلت إلى دمشق حفاظاً عليها.
أعيد تركيب قاعة الكنيس في المتحف الوطني بطريقة تستحضر ترتيبها المعماري الأصلي، ووضعت اللوحات وفق مواقعها على جدران قاعة الصلاة. لهذا يحمل جناح دورا أوروبوس في المتحف قيمة تتجاوز عرض مجموعة من القطع المنفردة؛ فهو يقدم جزءاً معمارياً وفنياً كاملاً من مبنى ديني يعود إلى القرن الثالث الميلادي. وتعد هذه القاعة من أهم الشواهد المحفوظة على الفن السوري القديم، كما تشكل جزءاً رئيسياً من الذاكرة الأثرية السورية لدورا أوروبوس.
ويربط وجود الكنيس في دمشق بين الموقع الأثري في وادي الفرات والمتحف الوطني في العاصمة، ويمنح الزائر فرصة لدراسة الرسوم الأصلية التي كانت تزين أحد مباني المدينة قبل سقوطها في القرن الثالث. وقد لفت الموقع اهتمام الباحثين الأوروبيين خلال القرن التاسع عشر، ثم جاءت نقطة التحول الأساسية في سنة 1920، عندما ظهرت رسوم جدارية أثناء أعمال جرت قرب الموقع.
وصل عالم الآثار الأمريكي جيمس هنري بريستد إلى المنطقة وساهم في توثيق المكتشفات والتعريف بقيمتها. وبعد ذلك بدأت حفريات أثرية منظمة شاركت فيها بعثات فرنسية وأميركية. وخلال عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين خرجت إلى الضوء مساحات واسعة من المدينة، ومن بينها الكنيس والمبنى المسيحي ومعبد ميثرا وعدد كبير من المنازل والمعابد والمنشآت العسكرية. واستؤنفت الأبحاث لاحقاً ضمن بعثات أثرية سورية وفرنسية، أسهمت في تطوير المعرفة بالتخطيط العمراني وتاريخ الاستيطان والحياة اليومية في الموقع.
تجمع دورا أوروبوس عدداً من السمات التي تمنحها مكانة استثنائية في آثار سوريا. فموقعها على الفرات ربطها بالتجارة وحركة المسافرين، وتعاقب السلطات عليها جعلها شاهداً على التاريخ السلوقي والفرثي والروماني والساساني، والتنوع السكاني فيها ترك مجموعة واسعة من اللغات والديانات والفنون.
كما ساعد توقف الاستيطان فيها بعد القرن الثالث على حفظ عدد من المنشآت والرسوم بصورة نادرة، الأمر الذي منح علماء الآثار مادة واسعة لدراسة المدن الشرقية في العصرين الفرثي والروماني.
وتكتسب آثارها أهمية إضافية من توزعها بين موقع الصالحية والمجموعات المتحفية، وفي مقدمتها الأغورا في موقعها الحالي و الكنيس المحفوظ في المتحف الوطني بدمشق.
الكاتب: فارس الذهبي/ المدن