يعجبني ولا يعجبني في ألمانيا - الحلقة السادسة
إن كنت ممّن يفكّرون بالسّفر إلى ألمانيا والعيش فيها، فلا مناص لك من قراءة ما يكتبه الصحفي والكاتب الفلسطيني حكم عبد الهادي عنها. فقد أوجز عبد الهادي، الذي مضى على إقامته في ألمانيا 58 سنة، خلاصة تجربته وانطباعاته عن المجتمع الألماني في مجموعة مقالات بخفة
الإعجاب وعدم الإعجاب ليسا مطلقين، كما أنهما لا يخلوان من التعميم. معذرة للقارئات والقراء الأكارم لأن الكتابة تحتاج إلى أحرف واضحة وأحيانا إلى بعض المبالغة.
يعجبني في بلاد "الجرمان" أنهم أصبحوا لا يقدسون العمل كما كان عليه الحال في الخمسينات والستينات. كان يُقال إن الألماني يعيش ليعمل وأصبح الآن يعمل ليعيش.
استطلاعات الرأي تفيد أن سُلم الأولويات تغير لدى الألمان، فالعطل السنوية التي لا تقل عن ستة أسابيع غدت تحتل المقام الأول في حياة الألماني العادي. الألمان تحولوا إلى شعب مسافر، وإقبالهم على السياحة منقطع النظير، فأنت تجدهم في جميع أقطار العالم. يحبون الصحراء والآثار القديمة ويصلون للشمس التي ينشدونها في إيطاليا وإسبانيا واليونان.
سألت ذات مرة سائحيْن أمريكيين التقيتهما في الريفيرا الفرنسية: سمعتكما تقولان إنكما ستزوران في جولتكما لأوروبا إسبانيا وإيطاليا الخ، فماذا عن ألمانيا؟ أجابا أن ألمانيا بلد جميل ويستحق الزيارة، ولكن المطر لا يرحب بنا.
المطر الذي نعشقه نحن العرب، لأنه يبخل علينا، "يطلّع الروح" أحيانا في ألمانيا. الألمان أصبحوا يستغلون كل ساعة شمس ويقضونها، إن سمحت لهم الظروف، في الهواء الطلق.
عندما جئت إلى ألمانيا في نهاية الخمسينات لم يكن في مدينة هامبورغ سوى مقهى واحد "تتشمس" في باحته، واليوم أصبحت معظم المقاهي والحانات تستقبل ضيوفها خارج الجدران. كيف حدث هذا التطور؟ اكتشف الألمان في رحلاتهم، التي لا تتوقف، أن الناس في الجنوب والشرق يتنفسون وهم جالسون هواءً طلقا وأنهم يعيشون ليعيشوا.
حدثني سائح ألماني في اليونان أنه قال لرجل يوناني بسيط يجلس تحت شجرة زيتون ويتمتع بكأس أُوزو (نوع من العرق) وبعض المزة: لماذا لا تأتي لألمانيا وتكسب الكثير من المال؟ فرد اليوناني: لماذا كل هالغلبة؟ ماذا سأفعل بكل هذه الفلوس؟ سأسافر في الفلوس إلى اليونان وأجلس تحت زيتونة وأشرب قدحا من الأُوزو، وهذا ما أفعله الآن.
باختصار: الألمان أصبحوا خلال الثلاثين سنة الأخيرة أكثر إقبالا على الحياة، وهذا يعود إلى انفتاحهم على الجنوب وقدوم ملايين الجنوبيين إلى بلادهم ومعهم الأوزو والبيتزا والشاورما.
لا يعجبني في ألمانيا نظرة الألمان المتحفظة للآخرين حين يتعرفون عليهم. أفسر هذه الظاهرة وأنا حرّ حين أفسر: أنهم يتوقعون كل مساوئ العالم في الشخص الذي لا يعرفونه، بينما نحن قبيلة العرب نستقبل الغريب بخمس وعشرين ألف سؤال: من أي بلد؟ أكم ولد عندك؟ شو بتشتغل في ألمانيا؟ قديش دخلك؟ من أي عائلة حضرتك؟ طيب، شو بقربلك تحسين كذا؟ عمك؟ والله والنعم، يا هلا بيك.
العربي يبحش خلال دقائق عن أصلك وفصلك ويتعرف بسرعة على تفاصيلك، والألماني يحسب ألف حساب ويظل صامتا، ولكن إذا "تحركَشْت" به قليلا وبدأت بمداعبته، فإنه لا يسكت. عليك أن تبدأ الحوار مع الألماني وغير ذلك ستزهق زهقا شديدا. تذكر أن الإنسان بطبيعته اجتماعي ويكره في داخله العزلة.
الألماني يتحفظ أكثر من اللازم حين يتعلق الأمر بإسرائيل. شاءت الصدف أن تعرفت ذات مرة على جنرال ألماني في القطار ولم يكن مثل إخوانه الصامتين. كان الحديث معه ممتعا إلى أن سألته: لنفرض جدلا أن الحرب وقعت بين إسرائيل وألمانيا، فمن الذي سينتصر؟ ضح، وهز رأسه وصمت.
الكاتب: حكم عبد الهادي
المحرر: عبد الرحمن عثمان
*هذا المقال لا يعبر بالضرورة عن رأي دوز
2015-09-09 || 23:50