قتل الافاعي في فلسطين.. هواية متوارثة نتائجها كارثية
كتب أستاذ روسي عاش في فلسطين قبل حوالي 140 سنة في مذكراته عن تلاميذه، أنه نجح في تعليمهم علوماً كثيرة باستثناء أن يكفوا عن رمي الحجارة على القطط والكلاب. هذه العادة ما زالت موجودة في فلسطين حتى اليوم، وأيضاً عادة قتل كل أفعى نتمكن منها. في هذا التقرير نتع
حريق هائل شب في منطقة جبلية ما بين قريتي كفرنعمة ودير ابزيع، جبل كامل أحرق لمطاردة "عربيد" ظهر في تلك المنطقة، فهل يستحق ظهور هذا العربيد حرق جبل كامل لقتله؟ هذا ما أثار غيظ مربي الأفاعي جمال العمواسي، الذي استفزته هذه الظاهرة المنتشرة بين الناس دون أن يفكروا في تداعياتها.
"العربيد لا يَقتل أو يؤذي أحداً، بينما يتباهى البعض بقتله وعرض صوره دون معرفة فوائد هذا العربيد، فهو صائد محترف للأفاعي السامة التي تنتشر في فلسطين، فلماذا نقتله؟ هل هي مجرد ثقافة عدائية بلا مبرر؟!!، لماذا نقتلها إذن؟ إذا رأيت أفعى في جبل أو في مكان بعيد عن المنازل اتركها وشأنها.
وإذا وجدت أفعى في باحة منزل مثلا يمكنك التعامل معها بطريقة معينة كي لا تؤذيك إذا كانت سامة، وذلك باستخدام عصا طويلة، كعصا القشاطة التي نستخدمها في المنازل، حيث يقوم المواطن بالضغط على رأس الأفعى بالعصا، وبالتالي ستثبت ولن تتمكن من الهروب، ويمكن إدخالها في قنينة مياه فارغة إذا كان المواطن ليس متأكدا أنها سامة أم لا، وعرضها على من يعرف التعامل معها من المواطنين أو الهواة"، يقول العمواسي.
ويؤثر سم الأفاعي حسب وزارة الصحة الفلسطينية على الدورة الدموية والجهاز العصبي للإنسان، ما يؤدي لتشنجات صعبة. إضافة إلى ما تسببه لدغة الأفعى من آلام شديدة ودوخة وهزلان الجسم، وقد يصل الأمر الى فقدان الوعي والوفاة.
[caption id="attachment_37471" align="aligncenter" width="1283"]

يجب تجنب دخول مناطق الأعشاب المرتفعة بدون حذاء مرتفع لتفادي لدغ الأفاعي[/caption]
مواطن من رفيديا في نابلس اشتكى من تكاثر الأفاعي في محيط منزله. وهي من نوع الكوبرا الاستوائية كما يقول، ويبدأ خروجها في شهر حزيران. ويشتكي هذا المواطن من عدم استجابة الجهات الرسمية لمناشدات أهالي المنطقة، حيث وصل الدفاع المدني ولم يفعلوا شيئاً، بحجة أنهم غير مسؤولين عن الأماكن المفتوحة، فهم يختصون بساحة بيت منزل أو الأماكن المغلقة والصغيرة، وغير ذلك لا يعنيهم، حسب قوله.
هذه الأنواع من الأفاعي لم يعترض العمواسي على قتلها إذا كانت قريبة من الأماكن السكنية، فالقتل العشوائي للأفاعي يثير حفيظة عاشقها العمواسي، الذي يرى أنه يجب أن نتقن تمييز أنواعها، والعمل على عدم إبادتها فقط بسبب تصورات وهمية أن كل الأفاعي سامة، ففي فلسطين ما نسبته 80% من الأنواع غير السامة.
وأنواع الأفاعي السامة هي عشرة أنواع في فلسطين مع إضافة أفعى الشجرة الخضراء، التي تم اكتشاف خطورتها من قبل الاحتلال، وهناك 45 نوعاً غير سام، حسب الاستاذ داوود الهالي، أستاذ الجغرافيا والمختص البيئي، والذي يرى أننا نقتل الأفاعي في فلسطين بشكل عشوائي لامتلاكنا ثقافة خاطئة حولها، داعياً إلى تغيير هذه الثقافة من خلال النشرات والدروس التوعوية.
لماذا الافاعي؟
"الأفاعي لم تخلق عبثا" يقول العمواسي، ويضيف، هناك من يستخدم أثوابها في أنواع علاجات شعبية، حيث يقال إنها تستخدم لعلاج الثواليل، ومنهم من يستخدمها لصنع دواء لعلاج العقم، ولعلاج الصدفية وما شابه.
كما أنها تقتل الفئران والجرذان الكبيرة المؤذية للإنسان والمزروعات، وإذا قمنا بقتل الأفاعي بشكل عشوائي سنعاني فيما بعد من انتشار هذه الحيوانات، وبالتالي انتشار الأمراض كالطاعون وغيره.
ويشير العمواسي الى ما وصلت له إسرائيل من تقدم في مجال استخدام الأفاعي وجلودها وسمها في أنواع من الأدوية، فمنها تصنع مضادات حيوية، كما قامت دولة الاحتلال باستخدامها في مستحضرات التجميل (الكوزمتكس) أيضا، وليس فقط في الأدوية.
ويؤكد ذلك الهالي، الذي يرى أن إبادة الأفاعي يؤدي لانتشار الأمراض الخطيرة، فهناك الأفعى البقلاوية غير السامة، التي تعتبر صائداً محترفاً للأفاعي السامة، وبقتل هذه الافاعي نساعد على انتشار الأفاعي السامة في فلسطين، وخاصة الأفعى الفلسطينية.
[caption id="attachment_37469" align="aligncenter" width="5184"]

اقتناء قطة في البيت قد يُبعد الأفاعي والعقارب، أما إلقاء الحجارة على القطط، فيجلب الأفاعي[/caption]
علاج لدغاتها مكلف
ومن أخطر الأفاعي في فلسطين "أفعى فلسطين السامة، والتي لا يخلو منها أي كيلو متر مربع في فلسطين. وتتزايد أعدادها بشكل كبير جدا، ففي هذه السنة فقط تم رصد ما يزيد عن 17 لدغة أفعى حتى الآن"، يقول العمواسي.
في عام 2013 تم تسجيل 95 لدغة أفعى حسب د. جواد البيطار من وزارة الصحة، والذي أشار إلى وجود حالات غير مبلّغ عنها، إلا أن ما بُلّغ عنه وصل 95 حالة في الضفة وغزة، منها 47 حالة في الضفة، و48 حالة في غزة، بمعدل بلغ 2.1 إصابة لكل 100 ألف مواطن. ويضيف البيطار"في عام 2014 لم تصلنا بلاغات من غزة، وفي الضفة هناك 57 إصابة، أي بمعدل إصابتين لكل 100 ألف مواطن".
وعلاج هذه اللدغات مكلف جداً حسب العمواسي، فالمصل يتم شراؤه من إسرائيل، وثمن الجرعة منه 1000 دولار، تصنعه دولة الاحتلال وتشتريه وزارة الصحة الفلسطينية. ويحتاج المصاب من 3-5 جرعات، هذا في حال الإصابة الخفيفة. ولم تكن متوفرة لدى وزارة الصحة، لكن بعد جهد كبير وبسبب زيادة اللدغات تم توفير هذه الجرعات، التي تحتاج إلى مختبرات دقيقة ومعدات متطورة وخبراء لتصنيعها.
[caption id="attachment_37492" align="aligncenter" width="3792"]

جمال العمواسي يأمل أن يكف الناس عن قتل العربيد تحديداً، لأنه يصطاد الأفاعي السامة[/caption]
وناشد العمواسي كافة المواطنين عدم قتل العربيد، فهو غير سام ولا يَقتل أو يُؤذي أحداً، رغم أن البعض يتباهى بقتله وعرض صوره دون معرفة فوائد هذا العربيد، فهو صائد محترف للافاعي السامة. ولكن العمواسي يحذر من أفعى فلسطين، والتي كان من بين ضحاياها الحاج أبو الذيب 60 عاما من بيت نوبا، الذي كان يمارس عمله في الحصاد. إلا أن تلك الأفعى لدغته حين داسها بقدمه دون أن يقصد، فهربت.
واعتبر العمواسي أن عدم لبس حذاء مرتفع تسبب في سهولة وصول الأفعى لقدم أبو الذيب، وقال "كانت حالته خطرة جداً، ولكن 5 جرعات من المصل المضاد، حسّن من حالته، فنجا والحمد لله". وعزا العمواسي انتشار الأفاعي السامة في فترة الحصاد إلى انتشار الفئران، ما يعني فترة نشاط الأفاعي.
ونصح الهالي بضرورة نشر الوعي بين المواطنين من خلال الجامعات والمدارس وأماكن التجمع للحث على عدم القتل العشوائي لهذه الأفاعي، والعمل على تخليص الناس من الخرافات العالقة بأذهانهم، والتي منها ما يتعلق بضرورة قتل العربيد، فهو في العرف الشعبي يلتف حول الإنسان ويقتله، لكن ذلك غير صحيح، فهو يقتل الأفاعي السامة فقط ولا يؤذي الإنسان.
الكاتبة: حسناء الرنتيسي
المحرر: عبد الرحمن عثمان
المصدر: مجلة آفاق البيئة
2015-07-04 || 17:58