في ذكرى رحيله، نستعيد جمال الغيطاني، أحد أبرز روائيي مصر والعالم العربي، وكاتباً استطاع أن يجعل من التاريخ مادةً حيّة للتأمل في الحاضر، ومن القاهرة ذاكرةً مفتوحة على حكايات الإنسان وتحولات الزمن. رحل في 18 تشرين الأول 2015، لكنه ترك وراءه مشروعاً أدبياً يتجاوز حدود الرواية إلى أسئلة الهوية والسلطة والحرية، وعلاقة الإنسان بماضيه.
وُلد الغيطاني في التاسع من مايو عام 1945 في جهينة بمحافظة سوهاج، وانتقل مع أسرته إلى القاهرة، المدينة التي ستصبح لاحقًا إحدى الشخصيات المركزية في عالمه الأدبي. درس فنون صناعة السجاد الشرقي، وعمل في هذا المجال قبل أن يتجه إلى الصحافة والكتابة، التي بدأها في سن مبكرة. وربما كان في حرفة نسج السجاد ما يشبه بناءه الروائي؛ خيوط تتشابك وألوان تتداخل لتصنع نسيجاً متماسكاً، كما تتداخل في رواياته الأزمنة والوقائع والحكايات.
لم تكن القاهرة بالنسبة إليه مجرد مكان تدور فيه الأحداث، بل كائناً حياً يحمل طبقات من التاريخ، وتختزن شوارعه وأحياؤه وعماراته حكايات أجيال تعاقبت ثم غابت. كان يقرأ المدينة كما يقرأ المخطوطات، ويبحث في تفاصيلها عن آثار الذين مرّوا بها، مؤمناً بأن المكان ليس جغرافيا فحسب، بل ذاكرة وهوية ووجدان.
وقد أسهم عمله الصحافي، إلى جانب تجربته مراسلاً حربياً خلال حرب الاستنزاف، في تعميق نظرته إلى الإنسان في لحظات المواجهة والخوف والمصير. كما تركت تجربة اعتقاله عام 1966 أثراً في وعيه بالعلاقة بين الفرد والسلطة، وهي علاقة ستظهر بأشكال مختلفة في مشروعه الروائي.
تتجلى فرادة الغيطاني في قدرته على استلهام التراث العربي والإسلامي من دون الوقوع في أسر الماضي. لم يتعامل مع التاريخ بوصفه سجلًا مغلقًا للأحداث، بل بوصفه مجالاً لإعادة اكتشاف الحاضر. استعان بلغة المؤرخين القدماء وأساليبهم، لكنه أعاد تشكيلها برؤية روائية حديثة، ليبرهن أن التراث ليس نقيض الحداثة، وأن العودة إلى الجذور قد تكون طريقًا إلى الابتكار، لا إلى التكرار.
وتظل رواية «الزيني بركات» واحدة من أهم محطات تجربته، إذ يستعيد فيها القاهرة في العصر المملوكي، ليكشف من خلال أجوائها التاريخية آليات المراقبة والخوف والاستبداد. لا يكتفي الغيطاني بسرد وقائع الماضي، بل يجعل تعدّد الأصوات وتضارب الروايات وسيلةً لطرح أسئلة عميقة عن الحقيقة والسلطة، وعن قدرة الإنسان على الاحتفاظ بحريته وكرامته في مواجهة أنظمة السيطرة. وهكذا تتحول الرواية التاريخية إلى مرآة للحاضر، من دون أن تفقد خصوصيتها الفنية أو زمنها الذي تنتمي إليه.
أما في «التجليات»، فيذهب إلى فضاء مختلف، تتداخل فيه السيرة الذاتية بالتأمل الفلسفي، والذاكرة الشخصية بالموروث الصوفي. إنه نص يبحث في الذات والزمن والغياب، ويكشف عن وجه آخر للكاتب، لا ينشغل بالتاريخ السياسي وحده، بل يحاول استكشاف أعماق الإنسان وأسئلته الوجودية.
وإذا كان نجيب محفوظ قد منح القاهرة حضوراً إنسانياً استثنائياً من خلال الحارة المصرية وتحولاتها الاجتماعية، فإن الغيطاني اتجه إلى طبقاتها التاريخية والعمرانية العميقة. لا ينتقص هذا الاختلاف من تجربة أيٍّ منهما، بل يكشف عن ثراء الرواية المصرية وقدرتها على تقديم المدينة الواحدة من زوايا متعددة. لقد حاور الغيطاني محفوظاً من موقعه الخاص، ونسج لنفسه طريقاً سردياً مميزاً، جعل من القاهرة نصاً لا تنتهي قراءته.

ولم يقتصر عطاؤه على الرواية؛ فقد أسّس العام 1993 جريدة «أخبار الأدب»، التي أصبحت من المنابر الثقافية المهمة في مصر والعالم العربي. وكان في ذلك امتداداً لإيمانه بأن الثقافة ليست ترفًا، بل ضرورة لحماية الوعي وفتح المجال أمام الحوار والإبداع. ومن أعماله البارزة أيضاً «وقائع حارة الزعفراني»، و«الزويل»، و«متون الأهرام»، و«ملامح القاهرة في ألف عام». وقد نال عدداً من الجوائز والتكريمات، من بينها جائزة الدولة التقديرية في مصر عام 2007، وجائزة لور باتايون عام 2005 عن الترجمة الفرنسية لعمله «التجليات»، مشاركةً مع مترجمه خالد عثمان.
في ذكرى رحيله، تبدو أهمية جمال الغيطاني أبعد من استعادة سيرة روائي كبير أو تعداد أعماله. لقد ترك لنا طريقة مختلفة في النظر إلى المدن والتراث والتاريخ؛ علّمنا أن الحجر ذاكرة، وأن الحكاية قد تحفظ ما تعجز الوثائق عن قوله، وأن الماضي لا يصبح حيًا إلا حين نمتلك الشجاعة لقراءته من جديد.
رحل جمال الغيطاني، لكن القاهرة التي كتبها لم ترحل معه. ما زالت تسكن رواياته، وتطلّ من أزقتها القديمة، وتستعيد في لغته أصوات الذين مرّوا بها وتركوا آثارهم في جدرانها. لقد كان من أولئك الكتّاب الذين لا يكتفون برواية العالم، بل يمنحونه عيناً جديدة نراه بها.
وبين القاهرة التي عاشها والقاهرة التي ابتكرها أدبياً، بقي الغيطاني شاهداً على أن المدن العظيمة لا تُقاس بأعمار أبنيتها وحدها، بل بقدرتها على البقاء في ذاكرة كتّابها. وبعض الكتّاب، حين يرحلون، يتركون كتباً نعود إليها؛ أما جمال الغيطاني فقد ترك لنا مدينةً كاملة نكتشفها كلما فتحنا صفحةً من رواياته.
الكاتبة: نوال الحوار/ المدن