أزمة النقل العام.. بين اتساع حزام الأزمات وضيق الخيارات
مع ارتفاع أسعار المحروقات وتكاليف التشغيل والضرائب ورسوم الترخيص، تتصاعد أزمة قطاع النقل العام، في ظل تداعيات الحواجز والإغلاقات الإسرائيلية التي تطيل المسافات وتقلّص الرحلات اليومية. فما السبيل إلى معالجة الأزمة؟
تتصاعد أزمة قطاع النقل العام في فلسطين، مع ارتفاع أسعار المحروقات وتزايد تكاليف التشغيل والضرائب ورسوم الترخيص، في ظل تداعيات الحواجز والإغلاقات الإسرائيلية التي تطيل المسافات وتقلّص عدد الرحلات اليومية للسائقين، وهو ما دفع قطاع النقل العام للتلويح بالتصعيد، إلا أن حوارات مع الحكومة أرجأت ذلك، في حين يجد المواطنون، خصوصاً ذوي الدخل المحدود والطلبة، أنفسهم أمام ضغوط معيشية متفاقمة.
وبحسب مسؤولين، فإنه في وقت تجري فيه الحكومة حواراً مع النقابات، بالتعاون مع وزارات النقل والمواصلات والمالية والعمل، لبحث تدخلات بديلة عن رفع التعرفة، تتمثل أبرز المطالب في تخفيف الضرائب ورسوم التشغيل ودعم الوقود، بما يتيح للسائقين مواصلة العمل دون تحميل المواطنين أعباء إضافية.
ويرى خبراء، أن الأزمة تتجاوز حدود التعرفة اليومية، لتطرح تساؤلات بشأن قدرة الحكومة على التدخل في ظل أزمتها المالية وتراجع دعم المحروقات، وضرورة تطوير النقل الجماعي والحافلات العمومية، بما يخفض كلفة التنقل ويحقق توازناً بين مصالح السائقين والقدرة الشرائية للأسر الفلسطينية.
حوار مع نقابات قطاع النقل العام
يؤكد وكيل وزارة النقل والمواصلات والناطق باسم الوزارة، محمد حمدان، أن الوزارة تجري حواراً مع نقابات قطاع النقل العام، بالتعاون مع وزارتي المالية والعمل، لبحث مطالب السائقين ودراسة تدخلات حكومية من شأنها تخفيف التكاليف التشغيلية التي يتحملونها.
ويوضح حمدان أن رفع تسعيرة النقل في الوقت الحالي ليس خياراً متاحاً، وأن الحلول المطروحة يجري بحثها بما يراعي ظروف السائقين والمواطنين وإمكانات الحكومة المالية.
ويبيّن حمدان أن الوزارة، بصفتها الجهة المنظمة لقطاع النقل والمواصلات، شكّلت لجنة بالتعاون مع وزارتي المالية والعمل لفتح حوار مع جميع النقابات المعنية، ومناقشة المطالب في ضوء الظروف المالية التي تمر بها الحكومة الفلسطينية، وتداعيات الحرب والسياسات الإسرائيلية.
تدخلات حكومية
ويشير حمدان إلى أن النقاش يركز على القضايا التي يمكن التدخل فيها أو التباحث بشأنها من دون التأثير على إيرادات الخزينة العامة، بما يضمن استمرار الحكومة في تقديم الخدمات للمواطنين، ولا سيما في قطاعي الصحة والتعليم، مع مراعاة الأوضاع الاقتصادية التي يواجهها السائقون والعاملون في القطاع.
ويبيّن حمدان أن الوزارة رفعت في الفترة السابقة تسعيرة النقل وفق حسابات مرتبطة بارتفاع أسعار الوقود، إلا أن الظروف الحالية لا تسمح برفعها مجدداً، ما يستدعي البحث عن تدخلات حكومية بديلة.
ويلفت حمدان إلى وجود توجيهات من مجلس الوزراء ورئيس الوزراء د. محمد مصطفى لمراعاة أوضاع السائقين والبدء في إيجاد حلول تسهم في تخفيف الأعباء التشغيلية عنهم.
ويشير حمدان إلى أن الحوار مع النقابات يجري بهدوء وبصورة بناءة، فيما تعمل الطواقم الفنية على دراسة البدائل الممكنة، وتقييم مدى ملاءمتها وقدرة الحكومة على تنفيذها، مشيراً إلى أن التدخلات التي تخضع للدراسة تتوزع على جوانب إدارية وفنية ومالية.
ويشدد حمدان على أن الهدف هو الوصول إلى حلول تخفف الأعباء عن السائقين، وتنعكس في الوقت نفسه بصورة إيجابية على تسعيرة النقل، بما يراعي مصالح العاملين في القطاع وظروف المواطنين، مؤكداً استمرار الحوار مع النقابات للوصول إلى خيارات قابلة للتطبيق في ظل الإمكانات المتاحة.
قطاع النقل يواجه ظروفاً صعبة
يؤكد رئيس النقابة العامة لعمال النقل العام في فلسطين، علاء مياسي، أن قطاع النقل يواجه ظروفاً صعبة في ظل ارتفاع أسعار السولار وتزايد تكاليف التشغيل والالتزامات المالية، مشيراً إلى أن النقابة منحت الحكومة مهلة إضافية للحوار، بهدف التوصل إلى حلول تخفف الأعباء عن السائقين والمواطنين، وتجنب رفع تعرفة النقل مجدداً.
ويوضح مياسي أن الأعباء التي يتحملها العاملون في قطاع النقل والمواصلات تتزايد يومياً، ولا تقتصر على ارتفاع أسعار الوقود، بل تشمل أيضاً تكاليف التأمين والترخيص والضرائب ورخص التشغيل، إلى جانب الظروف الميدانية الصعبة التي يواجهها السائقون بسبب الحواجز والبوابات العسكرية والأزمات المرورية على الطرق الخارجية، واضطرارهم أحياناً إلى سلوك طرق بديلة للوصول إلى المواطنين، ما يزيد كلفة التشغيل ويضاعف الضغوط عليهم.
ويبيّن مياسي أن تحرك النقابة يأتي في إطار المطالبة بتحمل الحكومة جزءاً من مسؤوليتها، والحد من الأعباء المفروضة على القطاع، محذراً من أن استمرار الأوضاع الحالية يضيق الخناق على العاملين فيه.
ويشير مياسي إلى أن النقابة رفعت تعرفة النقل نحو ثلاث مرات منذ شهر أبريل / نيسان الماضي، الأمر الذي شكل عبئاً إضافياً على المواطنين، من دون أن يحقق للسائقين فائدة كافية، في ظل تشجيع ارتفاع الأسعار المواطنين على استخدام المركبات الخاصة وتراجع حركة التنقل.
أهمية قطاع النقل
ويؤكد مياسي أن النقابة أعلنت خطواتها الاحتجاجية، لكنها لم تصعّدها حتى الآن، نظراً إلى أهمية قطاع النقل وارتباطه المباشر بالحياة اليومية للمواطنين وتحريك العجلة الاقتصادية. ويشير مياسي إلى أن النقابة تدرك الظروف المالية الصعبة التي تمر بها الحكومة، لكنها ترى ضرورة إيلاء القطاع الحد الأدنى من الاهتمام، بما يساعده على الاستمرار ويشعر العاملين فيه بوجود استجابة لمطالبهم.
ويبيّن مياسي أن الحوار خلال الأيام الماضية كان إيجابياً، معرباً عن أمله في استمراره والتوصل إلى حزمة حلول واقعية وقابلة للتنفيذ، من دون تحميل المواطنين أعباء جديدة عبر رفع الأجرة.
خيارات نقابية للحل
ويشير مياسي إلى أن الخيارات المطروحة للحل تشمل: تخفيض الضرائب ورسوم الترخيص ورخص التشغيل، التي تشكل أعباء إضافية على السائقين.
ويلفت إلى أن تخفيض بعض هذه الالتزامات، حتى إن لم تتحمل الحكومة تكاليف مالية مباشرة، قد يسهم في تخفيف الضغط عن العاملين في القطاع.
ويطرح مياسي إمكانية تخفيف أعباء الوقود، والعمل على منع ارتفاع أسعاره خلال الشهر المقبل، أو خفضها ولو بمقدار محدود، بما يساعد قطاع النقل والمواصلات العامة على الصمود خلال الأشهر الثلاثة المقبلة.
ويشدد على أن الهدف من التحرك ليس التصعيد بحد ذاته، بل الوصول إلى حلول منصفة يشعر معها السائقون والمواطنون بوجود اهتمام حكومي، مؤكداً وجود أمل في التوصل إلى تفاهمات عملية خلال الفترة المقبلة.
رفع التعرفة غير مبرر
يؤكد الخبير والباحث الاقتصادي والاجتماعي د. رابح مرار أن رفع أجور النقل العام مجدداً غير مبرر اقتصادياً واجتماعياً، في ظل الأوضاع المالية الصعبة التي تعيشها الأسر الفلسطينية، محذراً من تداعيات هذه الزيادات على ذوي الدخل المحدود والطلبة والعاملين، وداعياً إلى تطوير قطاع النقل العام والحافلات وتعزيز دوره في توفير مواصلات أقل تكلفة.
ويوضح مرار أن فلسطين تمر بظروف مالية حساسة على مستوى الأسر، مشيراً إلى أن غالبية مستخدمي النقل العام ينتمون إلى الفئات الأقل دخلاً، وبينهم أبناء الموظفين الحكوميين والعاملين وطلبة الجامعات والمدارس.
ويشير مرار إلى أن زيادة الأجور مع بداية العام الدراسي قد تترتب عليها أضرار اجتماعية كبيرة، في ظل محدودية دخول شريحة واسعة من المواطنين.
ويوضح مرار أن الزيادات السابقة في تعرفة المواصلات عوضت ارتفاع أسعار المحروقات، معتبراً أن تحميل المواطنين أعباء إضافية ليس مبرراً، رغم إقراره بالتحديات التي يواجهها السائقون بسبب الحواجز الإسرائيلية، وما تفرضه من ساعات انتظار طويلة قد تحرمهم من تنفيذ رحلات إضافية خلال يوم العمل.
ويشير مرار إلى أن قطاع النقل العام حيوي ومرتبط بحركة العمال والطلبة، لكنه يرى أن السائقين لا ينتمون بالضرورة إلى القطاعات الأكثر تضرراً في الظروف الحالية، لافتاً إلى أن بعضهم يبالغ في رفع الأجور عند ارتفاع أسعار الوقود.
طريقة احتساب أثر ارتفاع الوقود
ويشير مرار إلى أن زيادة سعر لتر البنزين شيكلاً واحداً أثرها على الرحلة ينبغي احتسابه مقارنة بعدد الركاب، لا أن تتحول إلى زيادة مضاعفة على الراكب، منتقداً رفع أجرة بعض الرحلات بعشرة شواكل، معتبراً أن الزيادة قد تتجاوز الكلفة الإضافية الفعلية للمحروقات.
ويلفت مرار إلى عدم خفض أجور المواصلات عند تراجع أسعار المحروقات، مشيراً إلى أن الأسعار ترتفع عند زيادة التكاليف، لكنها لا تنخفض بالضرورة عند تراجعها.
غياب البدائل الكافية
ويؤكد مرار أن غياب البدائل الكافية، ولا سيما الحافلات ذات السعة الكبيرة، يحد من خيارات المواطنين ويجعلهم أكثر اعتماداً على وسائل النقل الأعلى تكلفة.
وفيما يتعلق بالحلول المستدامة، يستشهد مرار بتجربة شركة الحافلات في نابلس، التي يوضح أنها غطت مناطق واسعة في المدينة والمحافظة بأسعار مقبولة، مع تنظيم مواعيد الرحلات ومناطق الصعود والنزول، معتبراً أن تعميم هذه التجربة على المحافظات من شأنه خفض كلفة التنقل وتحسين الخدمة.
ويلفت مرار إلى أن دراسة أجراها في معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني "ماس" تناولت العوامل التي أعاقت تاريخياً تطوير قطاع الحافلات، مشيراً إلى أن مشاريع سابقة لتعزيز النقل العام، بينها مشروع ارتبط بدعم هولندي قُدّر بنحو 50 مليوناً، لم تمضِ كما كان مأمولاً في ظل احتجاجات نقابية وإضرابات وإغلاق طرق.
كلفة المواصلات مرتفعة
ويرى مرار أن كلفة المواصلات في فلسطين قد تشكل، في بعض الأحيان، نحو 17 إلى 21% من نفقات الأسرة، مقارنة بنحو 3 إلى 4% في دول أخرى.
ويدعو مرار الحكومة والنقابات إلى تحمل مسؤولياتهما والتعاون لتطوير النقل العام، مؤكداً أن توفير حافلات منتظمة ومحددة المواعيد يساعد المواطنين على الوصول إلى أعمالهم، ويقلل الاعتماد على السيارات الخاصة، خصوصاً مع ارتفاع كلفة الوقود.
ويشدد مرار على ضرورة مراعاة البعد الاجتماعي في قرارات النقل، مشيراً إلى أن الطالب الذي يتنقل من قريته إلى جامعة بيرزيت مثلاً قد يدفع نحو 30 شيكلاً يومياً، في حين قد لا يتجاوز دخل والده العامل أو الموظف 100 شيكل يومياً، ما يجعل أعباء المواصلات عبئاً ثقيلاً على الأسرة.
أزمة مرتبطة ببرتوكول باريس الاقتصادي
يؤكد الصحفي المختص بالشأن الاقتصادي أيهم أبو غوش أن أزمة قطاع النقل العام والمواصلات في فلسطين لا يمكن فصلها عن طبيعة العلاقة الاقتصادية التي أرسى قواعدها بروتوكول باريس الاقتصادي، ولا عن تداعيات الحرب بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، مشيراً إلى أن ارتفاع أسعار المحروقات وتراجع الدعم الحكومي، إلى جانب الحواجز والإغلاقات، فاقمت الأعباء على السائقين والمواطنين، في وقت تواجه فيه الحكومة أزمة مالية تحد من قدرتها على التدخل.
ويوضح أبو غوش أن بروتوكول باريس فرض على الأراضي الفلسطينية العيش ضمن غلاف جمركي واحد مع إسرائيل، وما يرتبط بذلك من نظام ضريبي يشمل الضرائب خاصة غير المباشرة، مثل ضريبة القيمة المضافة والجمارك والمحروقات ورسوم الاستيراد والترخيص.
ويلفت أبو غوش إلى أن هذا النظام أسهم في ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة، متأثرة بمستويات التضخم في السوق الإسرائيلية، ما جعل القوة الشرائية لدخول الفلسطينيين محدودة، رغم أن مستويات الأجور قد تبدو جيدة عند مقارنتها ببعض الدول العربية.
ويؤكد أبو غوش أن هذه الظروف تنعكس على قطاع النقل، إذ يتحمل السائقون تكاليف مرتفعة لاستيراد المركبات والضرائب والرسوم، في مقابل دخول لا تتناسب قوتها الشرائية مع مستوى الأسعار.
أسعار المحروقات تتأثر بالنظام الجمركي والضريبي
ويلفت أبو غوش إلى أن أسعار المحروقات في فلسطين تتأثر بالنظام الجمركي والضريبي، موضحاً أن الضرائب، بما فيها ضريبة المحروقات وضريبة القيمة المضافة، تشكل نحو 65% من سعر الوقود، فيما تتأثر الأسعار أيضاً بالتغيرات العالمية في أسعار النفط.
ويبيّن أبو غوش أن السلطة الفلسطينية كانت تتدخل سابقاً بصورة غير مباشرة لتخفيف أسعار المحروقات، من خلال التخلي عن جزء من إيراداتها الضريبية، إذ بلغ حجم هذا التدخل نحو 800 مليون شيكل سنوياً في بعض السنوات، ما أتاح تقليص الفارق بين أسعار الوقود في فلسطين وإسرائيل إلى نحو 60 أغورة في بعض الفترات، لكن الأزمة المالية التي تفاقمت بعد السابع من أكتوبر، مع احتجاز أموال المقاصة وتراجع السيولة، حدّت من قدرة السلطة على مواصلة هذا التدخل.
ويوضح أبو غوش أن شراء المحروقات يتم عبر شركات وسيطة وبالدفع النقدي المسبق، في حين تُحوّل الحصة الضريبية عبر المقاصة التي تحتجزها إسرائيل، ما يزيد الضغوط المالية على السلطة.
تراجع الدعم الحكومي
ووفق أبو غوش، تراجعت المساهمة الحكومية في الدعم غير المباشر للمحروقات من نحو 70 إلى 90 مليون شيكل شهرياً إلى نحو 10 أو 15 مليون شيكل فقط كحد أقصى، الأمر الذي قلّص هامش تخفيف الأسعار إلى نحو 10 أو 15 أغورة في الليتر الواحد.
ويشير إلى أن ارتفاع أسعار النفط عالمياً، في ظل الحروب والتوترات الدولية واضطراب تدفقات النفط عبر مضيق هرمز والحرب الروسية الأوكرانية، زاد الضغوط على أسعار السولار، الذي تعتمد عليه وسائل النقل والأنشطة الصناعية، كما أدت الحواجز والبوابات والإغلاقات الإسرائيلية إلى إطالة المسافات بين المدن والبلدات الفلسطينية، وتقليص عدد الرحلات التي يستطيع السائق تنفيذها يومياً، ما جعل التعرفة الرسمية غير ملائمة لبعض الخطوط التي تغيرت ظروفها.
ويوضح أبو غوش أن الحكومة لا تملك، في ظل أزمتها المالية، هامشاً واسعاً لخفض الأسعار، فيما لا يستطيع المواطن تحمل زيادات إضافية، ولا السائق مواصلة العمل مع ارتفاع تكاليف التشغيل دون تعويض مناسب.
تقاسم الأعباء بين الحكومة والسائقين والمواطنين
ويدعو أبو غوش إلى تقاسم الأعباء بين الحكومة والسائقين والمواطنين، من خلال استمرار دعم محدود للسولار المخصص للنقل العام، وربط الدعم بكميات محددة وشروط واضحة، مثل تخصيص محطات أو آليات تزويد للمركبات المرخصة للعمل في النقل العام.
ويطالب أبو غوش بإجراء حوار بين وزارتي النقل والمواصلات والمالية والنقابات وممثلي حماية المستهلك لإعادة تقييم التعرفة وفق ظروف الطرق والحواجز والإغلاقات، مع دراسة تسعيرات مخفضة للطلبة وذوي الدخل المحدود، بما يضمن توزيعاً أكثر عدالة لكلفة الأزمة.
مطالب مشروعة.. ولكن!
يحذّر الخبير الاقتصادي د. ثابت أبو الروس من تداعيات ارتفاع أسعار المحروقات على قطاع النقل العام والمواطنين، مؤكداً أن مطالب العاملين في القطاع مشروعة، لكنها تنعكس بصورة مباشرة على المواطن، في ظل ارتفاع تكاليف المواصلات وتراجع القدرة الشرائية للأسر، والأزمة المالية التي تمر بها السلطة الفلسطينية.
ويوضح أن تكلفة المواصلات في بعض المناطق أصبحت تتجاوز 10 دولارات، ما يشكل عبئاً كبيراً على المواطنين، وهو ما يتطلب حلولاً موضوعية، مشيراً إلى أن ارتفاع أسعار المحروقات عالمياً انعكس سلباً على المواطنين، سواء على السائقين الذين يتحملون فواتير وقود مرتفعة، أو الأسر التي باتت تخصص مبالغ أكبر للتنقل.
ويبين أبو الروس أن نفقات النقل والمواصلات تشكل نحو 14% من دخل الأسرة، الأمر الذي يضغط على قدرتها على تلبية احتياجات أساسية أخرى، بينها الصحة والتعليم والسلع الضرورية للمنزل، معتبراً أن ارتفاع هذه النفقات يفاقم الأعباء المعيشية على المواطنين.
أسباب ارتفاع أسعار المحروقات
ويعزو أبو الروس ارتفاع أسعار المحروقات إلى مجموعة من العوامل، في مقدمتها الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية، في ظل عدم تحويل إسرائيل أموال المقاصة إلى حساباتها للعام الثاني على التوالي، ما اضطر السلطة ووزارة المالية إلى رفع الدعم عن قطاع المحروقات.
ويشير إلى التداعيات الجيوسياسية والتصعيد الإيراني الأميركي، وما يرتبط بهما من مخاوف بشأن شحن النفط عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من نفط العالم.
ويرجّح أبو الروس أن تشهد الأزمة مزيداً من التصعيد في ظل استمرار التوترات السياسية، محذراً من أن انعكاساتها قد تتجاوز ارتفاع الأسعار إلى احتمال زيادة الطلب على المحروقات مقارنة بالمعروض، بما قد يؤدي إلى تجدد الازدحام والتزاحم أمام محطات الوقود.
وفيما يتعلق بالحلول بشأن أزمة قطاع النقل العام، يرى أبو الروس أن المرحلة الحالية تتطلب إجراءات طارئة تتناسب مع طبيعة الأزمة، مشيراً إلى تدخلات حكومية جرت في ظل التهديد بالإضراب، ومشدداً على أهمية توسيع مفهوم قطاع النقل العام بين المحافظات الفلسطينية مستقبلاً، إذ إن استخدام حافلات ذات سعة أكبر يمكن أن يسهم في خفض تكلفة المحروقات المترتبة على نقل الركاب.
إمكانية تخفيف الأعباء المفروضة على السائقين
ويشير إلى إمكانية تخفيف الأعباء الضريبية المفروضة على السائقين، موضحاً أنهم يتحملون مبالغ تصل إلى آلاف الشواكل ضمن الضرائب المتعلقة بالمركبات، إلى جانب محاربة النقل العشوائي غير المنظم وغير المرخص، لما لذلك من دور في تخفيف التكاليف والأعباء عن العاملين في قطاع النقل العام.
ويؤكد أبو الروس أن الحلول المستدامة تحتاج إلى معالجة أوسع لأسباب الأزمة، في ظل استمرار الضبابية السياسية والاقتصادية، محذراً من أن قطاع النقل العام قد يواجه ضغوطاً إضافية إذا استمرت الظروف الحالية دون انفراج.
تأثيرات تطال قطاعات أخرى
تؤكد الباحثة الاقتصادية إخلاص طمليه أن قطاع النقل يشكل شرياناً أساسياً للنشاط الاقتصادي الفلسطيني، محذرة من أن ارتفاع تكاليفه لا يقتصر تأثيره على أجور تنقل المواطنين، بل يمتد إلى سلاسل الإمداد وتكاليف الإنتاج والتوزيع، وينعكس بدرجات متفاوتة على أسعار السلع والخدمات، بما يزيد الأعباء على المستهلكين في سوق تعاني أصلاً من ضعف القدرة الشرائية.
وتوضح أن ارتفاع تكاليف التشغيل يضع السائقين والمنشآت العاملة في قطاع النقل أمام خيارين صعبين، إما رفع التعرفة وتمرير الزيادة إلى المواطنين، أو تحمل الأعباء على حساب دخلهم، معتبرة أن الخيارين يفاقمان معاناة أحد الطرفين.
ضرورة تحقيق العدالة في توزيع التكاليف
وتشدد طمليه على ضرورة تحقيق العدالة في توزيع التكاليف، بحيث لا يكون إنصاف المواطن على حساب إفقار السائق، ولا حماية دخل السائق على حساب استنزاف المواطن محدود الدخل، الذي لا يمتلك هامشاً إضافياً لتحمل زيادات جديدة في الأسعار.
وتلفت إلى أن تكاليف النقل في فلسطين تتضاعف بفعل الحواجز والإغلاقات والطرق الالتفافية والوعرة التي يضطر السائقون إلى سلوكها، ما يزيد استهلاك الوقود ويرفع النفقات التشغيلية، فضلاً عن تقليص عدد الرحلات التي يستطيع السائق تنفيذها يومياً، وبالتالي خفض ربحيته.
وتؤكد طمليه أن هذه التكاليف القسرية يتحملها السائقون والمواطنون والمجتمع عموماً، في ظل قيود بروتوكول باريس الاقتصادي التي تحد من استقلالية السياسة التجارية والضريبية الفلسطينية، وتقلص هامش تدخل السلطة في تعديل الضرائب المفروضة على القطاع.
وتوضح أن مطالب السائقين بتخفيف الأعباء محقة، وأن التصعيد السلمي يمكن أن يفتح المجال أمام حوار يفضي إلى حلول ملموسة، مؤكدة ضرورة خفض تكاليف التشغيل قبل اللجوء إلى زيادة أجور النقل، وعدم تحميل السائق أو المواطن وحده كلفة الأزمة.
التخفيف عن السائقين
وفيما يتعلق بالحلول، تدعو طمليه إلى تخفيف ضرائب المحروقات ورسوم التشغيل بصورة موجهة، وتقديم حوافز لشركات النقل والحافلات العمومية ضمن سقوف محددة، إلى جانب إعادة استثمار جزء من إيرادات القطاع في تطويره وتحسين المواقف والخدمات بما يخفض تكاليف التشغيل.
وتطرح طمليه تطوير النقل الجماعي من خلال تقاسم الحكومة المخاطر، وتعويض السائقين المتضررين، وتوفير اشتراكات مخفضة للطلبة والعاملين على خطوط الجامعات ومراكز العمل والوزارات، بما يعزز العدالة الاجتماعية ويوجه الدعم إلى الفئات محدودة الدخل.
وتشدد على أهمية تخفيف الأعباء عن الخطوط المتضررة من الإغلاقات، عبر دعم الوقود وخفض الضرائب المرتبطة بها، مؤكدة أن معالجة الأزمة تتطلب خفض التكاليف وتحسين التشغيل وتقاسم الأعباء، بدلاً من استنزاف السائق والراكب معاً.
المصدر: جريدة القدس
2026-10-18 || 10:39