وصل للمكان عبر طريق طويل ومتعرج خوفاً من الإمساك به وتسليمه للقضاء، وعندما اعتلى المنصة، غادر الناس حتى لا يتلطخوا بعار الاستماع لشخص ضجت الأرض من هول الفظائع التي ارتكبها بحق النساء والعجزة والأطفال.
لكن حفيد ميليكوفسكي البولندي البيلاروسي خطب أمام الكراسي الفارغة عن الضمير والأخلاق والنزاهة، وفي ذات الوقت تعهد بفتح "جبهة ثامنة" ضد آخرين ينقم عليهم أنهم أخرجوا للعلن ما كان يريده أن يبقى طي الكتمان.
في بلدة سديدا بالقرب من منينسك، كانت عائلة تسفي ميليكوفسكي تمتلك بقالة صغيرة وتنعم بحياة عادية، وكان من الطبيعي أن يعيش أحفادها اليوم يتنقلون بين بلدات ريفية في بيلاروسيا وبولندا ويتاجرون في الحبوب والخضراوات.
لكن داءً عضالاً مسّ هذه العائلة القروية البسيطة فقلب حياتها رأساً على عقب، فحولت نشاطها إلى الأيديولوجيا الضارة وبدأت الاستعداد لسفك الدماء على أرض تبعد عنها 3600 كيلومتر إلى الجنوب.
لقد أرسل صاحب البقالة ابنه ناتان إلى مدرسة فولوزين في بيلاروسيا، وهناك تشرب فكر الاستيطان وتخرج برتبة دينية كبيرة بملكات خطابية استثنائية آتت أكلها في تنشئة ابنه بنسيون الذي ولد في العاصمة البولندية عام 1910.
وتفيد المصادر الأكاديمية بأن بنسيون كان أكثر تطرفاً من ناتان، وقد أنجب وربّى هذا الشخص الذي يقف اليوم على أعتاب الثمانين ويعتلي منصة أكبر مسرح عالمي للتعهد بارتكاب المزيد من الجرائم.
وفود تنسحب مع وصول نتنياهو لإلقاء كلمته خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة بالدورة رقم 81 (الفرنسية)الضيف المنتظر في لاهايفي طريقه إلى نيويورك، تحاشى "زوج سارة" المرور بأجواء عدة دول خوفاً من اعتقاله وتسليمه لمحكمة الجنايات الدولية بموجب مذكرة صدرت بحقه في 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2024.
وجاء صدور المذكرة بعد أن اتهم المدعي العام لدى الجنائية الدولية نتنياهو بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال حرب الإبادة التي شنها على غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول واستمرت لأكثر من عامين.
ووفق تقارير موثقة، خلفت حرب الإبادة في غزة أكثر من 74 ألف شهيد معظمهم نساء وأطفال، إلى جانب 100 ألف جريح، وتشريد وتجويع كافة سكان القطاع.
وتقضي المادتان 86 و89 من نظام روما الأساسي بأنه على كل الدول الأعضاء تسليم المطلوبين للجنائية الدولية لينالوا جزاء ما اقترفوا من فظاعات بحق بني الإنسان.
وفي حالة نتنياهو، فإن الحكم المرتقب لن يقل عن 30 عاماً، بمعنى أنه سيقضي بقية حياته على الأرجح في زنزانة باردة بلاهاي على مسافة قريبة من مقر الرايخ الثالث، غير بعيدة عن بقالة الجد تسفي في بيلاروسيا، بينما تفصلها 5 آلاف كيلومتر عن الهيكل المزعوم أسفل المسجد الأقصى المبارك.
ويكتسي هذا الملف زخماً عالمياً متصاعداً، إذ يحتشد خلفه مئات المحامين المرموقين من أوروبا وأمريكا وأفريقيا والشرق الأوسط، مطالبين بالعدالة للمستضعفين الذين أمطرهم نتنياهو بالقنابل ومنع عنهم الغذاء والدواء.
وفي زمننا هذا، لم يعد مستبعداً أن تقدم أي دولة على اعتقال رئيس وزراء إسرائيل وتكبيله بالأغلال وتسليمه للجنائية الدولية، فقد غصت الميادين شرقاً وغرباً بملايين الغاضبين من إفلات نتنياهو ورفاقه من العقاب.
وليس غريباً أن تتعهد دول مثل جنوب أفريقيا ونيجيريا وكولومبيا وماليزيا بالقبض على نتنياهو وتسليمه للقضاء الدولي من دون أدنى تردد.
جنون مستوطنلكن الذي أصابه بالجنون أن دولاً وازنة في منطقة غرب أوروبا وشمالها أكدت جاهزيتها لتطبيق أمر القبض عليه وتسليمه للعدالة الدولية التي قال نتنياهو دون خجل إنها قامت فقط لحماية اليهود ولا يحق لها أن تحاسبهم، وفق تصوره.
ومن بين هذه الدول إسبانيا وهولندا وأيرلندا والنرويج وسويسرا وبلجيكا وسلوفينيا وآيسلندا وفنلندا والبرتغال، وعلى هذا النحو تطابقت مواقف إيطاليا وكندا ونيوزيلندا.
ولعل الأكثر إيلاماً للمستوطنين القادمين من بولندا وغيرها هو إعلان بريطانيا عزمها الوفاء بالتزاماتها الدولية عندما يحل بها نتنياهو، حتى لو كان عابر سبيل.
ولم تتوقف المملكة المتحدة عند هذا الحد، بل أعلن وزير خارجيتها الشهر الماضي أمام مجلس العموم أنها "لن تصمت بعد الآن" وتدين المعاناة وتدعم المساءلة عما يحدث في غزة، بعد أن خلصت التقارير إلى ارتكاب جرائم حرب في القطاع.
وهذا الموقف الأخير يحمل بعداً وجودياً خطيراً، لكون بريطانيا هي المسؤول الأول عن قيام إسرائيل على أرض فلسطين لتعويض اليهود "عما لحق بهم من أذى" على أيدي الألمان.
لا مرحباً بكم في هذه الأرضلم يكن متصوراً أن تصطف حكومات غربية ضد إسرائيل التي غرستها بريطانيا في قلب فلسطين عام 1948، ثم تكفلت الولايات المتحدة بسقيها وتمكينها من التمدد في الشرق الأوسط: لبنان وسوريا، ومصر لبعض الوقت.
لكن الأمور تبدلت إلى غير رجعة، فحتى في الولايات المتحدة التي تحمي إسرائيل عسكرياً وسياسياً، تزحزحت المواقف وارتفعت الأصوات المنددة بقتل الأطفال والنساء وتفجير المنازل.
وهذا ما اختزله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في جملة شهيرة "في الماضي، كانت كلمة سيئة واحدة عن إسرائيل كفيلة بإنهاء مستقبلك السياسي، أما اليوم، فإن كلمة جيدة واحدة عنها قد تؤدي إلى النتيجة ذاتها".
وعندما حل نتنياهو مؤخراً في نيويورك لم يحظ بالترحيب المعهود، ذلك أن عمدة المدينة الحالي مسلم من أصل هندي وفي بيته سيدة أصلها سوري، وطالما شدد على أن مكان رئيس وزراء إسرائيل هو السجن وليس خليقاً بأن يخطب في المحافل الدولية.
ومع تبدل الأرض والسماوات في وجهه، بدا نتنياهو وقد بلغ مرحلة اليأس السياسي وشعر بأن كل الجبهات التي فتحها تطوقه، حيث يُتهم خارجياً بإبادة شعب أعزل، بينما يلاحقه القضاء الإسرائيلي بالرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة، وتلقي هدايا بينها علب سجائر وزجاجات شمبانيا (خمر).
وأمام الكراسي شبه الفارغة، تحدث عن عزمه فتح جبهة ثامنة ضد شبكة الجزيرة وقطر، في لهجة مشحونة بالخيبة والتهديد والوعيد.
رئيس الوزراء، الذي استجوبته الشرطة 12 مرة ومثل أمام القضاء في 98 جلسة ويصفه الساسة في تل أبيب بأنه من أكذب البشر، اتهم عدة دول بإنفاق مليارات لا تُحصى لنشر الأكاذيب عن إسرائيل.
وقال هذا -الذي يتهامس الناس بتعرضه للتوبيخ من زوجته البولندية هي الأخرى- إن قطر بدأت منذ عقود تمويل جامعات أمريكية وقنوات مثل الجزيرة لغسل أدمغة الشباب في أمريكا والعالم.
ولم يكن حديث نتنياهو عن الجزيرة هجوماً عابراً وإنما كان تصعيداً نوعياً، في سياق خطاب عنيف أُعدّ بعناية، استعرض فيه عملية "البيجر" في لبنان بوصفها دليلاً على قدرة إسرائيل على ضرب خصومها من حيث لا يحتسبون.
ولكن الشخص الذي يسميه الإسرائيليون أنفسهم بمدمن الكذب وإبليس الخراب، غفل عن حقيقتين اثنتين أثناء خطابه أمام الكراسي الفارغة في نيويورك:
1- المنكرات على الشاشاتالأولى، أن الفظاعات التي ارتكبها في غزة وكذلك في الضفة ولبنان ومناطق أخرى، هي التي وحدت العالم ضده وجعلته منبوذاً ومطارداً في الأرض وفي السماوات.
وليس العالم بحاجة لأن تقول له قطر أو دولة أخرى إن حكومة نتنياهو تقتل الناس وتحاصرهم وتشردهم وتجوعهم، ما دامت ارتكبت كل هذه المنكرات أمام شاشات التلفزيون والمنصات الرقمية التي يشاهدها الملايين حول العالم.
وفي اللحظة التي انسحبت فيها الوفود من القاعة عندما اعتلى المنصة "رهينة بن غفير وسموتريتش" كان مئات الناشطين أمام مبنى الأمم المتحدة ينددون بزيارته لنيويورك.
وغير بعيد عن نيويورك، أعلنت جامعة كوينيبياك عن نتائج استطلاع للرأي أشار إلى أن التعاطف مع فلسطين بالولايات المتحدة بلغ أعلى مستوى له منذ بدء الجامعة طرح هذا السؤال مطلع عام 2001، لقد قال 38% من المشاركين إنهم "يتعاطفون أكثر" مع الفلسطينيين، مقابل 35% مع الإسرائيليين، في حين لم يُبدِ 27% رأياً.
وبشكل عام، بلغ متوسط النظرة السلبية لإسرائيل بالولايات المتحدة 60%، وهي نتيجة جيدة مقارنة بالحال في إيطاليا وألمانيا وبريطانيا: 75%، 73% و69%.
وهذا ما قصده المتحدث باسم الخارجية القطرية ماجد الأنصاري عندما وضع خطاب نتنياهو في سياق المكابرة والتصامم عن حقيقة اقتراف الموبقات التي لم تخطر من قبل على قلب بشر.
لقد اعتبر الأنصاري أن "اختزال التحول المتنامي في الرأي العام العالمي، ولا سيما بين الشباب والأجيال الصاعدة، في مزاعم عن (حملات تأثير) هو استخفاف بوعي جيل يرى أمام عينيه، وعلى مرأى العالم، ما يجري على الأرض، ويكوّن مواقفه بناءً على ما يشاهده من وقائع".
وقال الأنصاري، في بيان نشره على صفحته بمنصة إكس، إن "هذا الخطاب التصعيدي المتواصل ضد قطر ليس سوى محاولة لصرف الأنظار عن الانتهاكات التي ترتكبها حكومته" (إسرائيل) في الأراضي الفلسطينية المحتلة وتداعياتها "الإنسانية".
وأضاف "إذا كان نتنياهو وغيره من السياسيين المتطرفين الإسرائيليين، الذين باتوا يخطبون أمام قاعات فارغة، يريدون أن ينظر العالم إلى إسرائيل بصورة مختلفة، فعليهم أن يبدؤوا بتغيير سياساتهم، ووقف انتهاكاتهم، واحترام القانون الدولي، وتحمل المسؤولية أمام شعبهم الذي انتخبهم بدلاً من البحث عن شماعات يعلّقون عليها تراجع صورة إسرائيل عالمياً".
2- الجبهة 1 وليست 8وأما الحقيقة الثانية، فهي أن الجزيرة تقف دائماً على الخط الأمامي في الجبهة الأولى لنقل الحقيقة للعالم، ولم تنتظر قدوم حفيد تسفي ميليكوفسكي إلى نيويورك عبر طريق متعرج ليصنفها في جبهة ثامنة جديدة يتمنى أن تمنحه طوق نجاة من تهم الإبادة في لاهاي ومن تحقيقات الشرطة حول رشاوى السجائر والشمبانيا في تل أبيب.
لقد دفعت الجزيرة ثمناً كبيراً في وقوفها على خط الجبهة الأول في حرب الحقيقة، حيث اغتال جنود نتنياهو مراسلتها شيرين أبو عاقلة أثناء تغطيتها هجوماً يشنونه على جنين صباح 11 مايو/أيار 2022.
كانت شيرين الحاملة للجنسية الأمريكية صحفية شجاعة ورزينة وهادئة، وتتميز بأخلاقها ومهنيتها العالية، وفق الذين خبروها عن قرب أثناء تغطيتها لجرائم الاحتلال في الضفة لأكثر من ربع قرن.
وشهدت على أحداث مفصلية في فلسطين، منها الانتفاضة الثانية بين عامي 2000 و2004 واجتياح مخيم جنين وطولكرم عام 2002، بالإضافة للغارات والعمليات العسكرية التي تعرض لها قطاع غزة.
وقد تعمد الجيش الإسرائيلي إطلاق الرصاص عليها بشكل مباشر "مع العلم أنه لم يكن يوجد مسلحون ولم تكن هناك مواجهات وكانت المنطقة آمنة" وفق شهادة الصحفييْن علي السمودي ومجاهد السعدي اللذين كانا بجانب شيرين عند إصابتها.
وفي تحقيق أجرته حول الواقعة، جمعت شبكة "سي إن إن" أدلة تؤكد أن الجيش الإسرائيلي استهدف مراسلة الجزيرة في جنين، وأن تحليل آثار الرصاص في الشجرة التي احتمت بها شيرين يدل على أنه تم استهدافها عمداً لاغتيالها.
وقد توصل التحقيق إلى "عدم وجود مسلحين أو مواجهات مسلحة قرب شيرين أبو عاقلة خلال اللحظات التي سبقت قتلها" مشدداً على أنها "قد استُهدفت" من قبل الجيش الإسرائيلي.
لكن الجزيرة لم تنسحب من خط الجبهة الأمامي، فقد واصلت التغطية بالتزامن مع إحالة ملف الاغتيال إلى المحكمة الجنائية الدولية، مشكّلة تحالفاً قانونياً عالمياً لمحاسبة المجرمين.
الشريف ووصية الشهيداستشهد المراسل الحربي أنس الشريف وسط قطاع غزة ولمّا يكمل بعد عامه الثلاثين.
وكان ذلك في مساء العاشر من أغسطس/آب 2025 عندما قصف جيش الاحتلال خيمة فيها صحفيون قرب مستشفى الشفاء، وكان بينهم الشريف الذي رحل عن والدته وعن صغيريه صلاح وشام وأمهما التي كانت "جذع زيتون لا ينحني".
وقبل رحيله، كتب لعناية الذين استُشهد في سبيلهم "أوصيكم ألّا تُسكتكم القيود، ولا تُقعِدكم الحدود، وكونوا جسوراً نحو تحرير البلاد والعباد، حتى تشرق شمسُ الكرامة والحرية على بلادنا السليبة".
ومثل الشريف، ارتقى في الخط الأمامي سامر أبو دقة وحمزة الدحدوح وإسماعيل الغول ورامي الريفي، الذين يرقد أجداد أجدادهم في أرض فلسطين ودخلوا التاريخ من أبواب متفرقة ليس بينها قتل طفل بريء أو تلقي رشوة بعلبة سجائر.
المصدر: سيد أحمد الخضر/ الجزيرة