قبل 7 أكتوبر 2023، كانت حياة سكان قطاع غزة، رغم أزماته الممتدة، تمضي في تفاصيل تبدو عادية: بيتٌ تجتمع فيه الأسرة، عملٌ يؤمّن الدخل، مدرسةٌ ينتظم فيها الأطفال، وأرضٌ يزرعها أصحابها، وخططٌ صغيرة للغد.
بعد 3 سنوات من الحرب، تغيّرت هذه التفاصيل بالنسبة إلى كثيرين. أصبح البيت ذكرى أو عنوانا مفقودا، والعمل وسيلةً للبقاء، والمدرسة مساحةً مؤقتة، وأصبح الأمان الذي كان يبدو أمرا بديهيا، مطلبا يوميا.
خلف الأرقام الكبيرة التي توثق حجم الدمار والخسائر، تختبئ حكايات لأشخاص تغيّرت حياتهم من تفاصيلها الأولى؛ عائلات تفرقت، ومنازل فقدت، ومهن تعطلت، وأطفال وطلاب يحاولون استعادة ما انقطع من حياتهم.
سكان وسط الركام وما تبقى من متاعهمبيت فقد أصحابه.. وعائلة فرقتها الحربقبل الحرب، كان الصحفي هادي إبراهيم من سكان مدينة رفح جنوبي قطاع غزة، يعيش حياة مستقرة مع زوجته وأطفاله الخمسة.
كان يمتلك منزلا وقطعا من الأرض وسيارة، ويعمل في مجال الإعلام منذ نحو عقدين، وكانت تفاصيل حياته اليومية تدور حول أسرته وعمله وممتلكاته وخططه للمستقبل، لكن الحرب، كما يقول، أعادت ترتيب كل شيء.
ويضيف إبراهيم لموقع "سكاي نيوز عربية" أنه "فقد منزله وأرضه وسيارته، بينما غادرت زوجته وأطفاله قطاع غزة في 3 يناير 2024، ومنذ ذلك الوقت يعيشون خارج القطاع".
أمتعة بين الأنقاض.. ما تبقى من حياة البيوتلم يكن الفقد بالنسبة إليه متعلقا بالممتلكات وحدها. فخلال سنوات الغياب، ولدت له طفلة لم يرها، وكبرت بعيدا عنه حتى أصبح عمرها عامين.
يقول إبراهيم إن الحرب بدلت حياته اليومية بصورة جذرية، وأصبح العمل والحركة وتأمين الاحتياجات الأساسية أكثر صعوبة، فيما اتسع الدمار من حوله وضاقت مساحة الخيارات أمامه.
وبالنسبة إليه، لم يعد المنزل مجرد جدران يمكن إعادة بنائها، بعدما أصبح مرتبطًا بغياب زوجته وأطفاله وطفلة ولدت في زمن الحرب ولم تتح له فرصة أن يعيش بداياتها.
"فقدت أخي وبيتي"بالنسبة إلى الممرضة هديل أحمد النازحة من مدينة غزة إلى وسط القطاع، لا تختصر الحرب في منزل فقدته أو مكان اضطرت إلى النزوح منه.
تقول إن أكثر ما تفتقده هو شقيقها الذي قُتل خلال الحرب، ثم منزل الأسرة الذي فقدته، مشيرة إلى أن تفاصيل الحياة اليومية التي كانت تبدو عادية قبل الحرب أصبحت اليوم جزءا من ذاكرة بعيدة.
طفل يقف أمام ركام المباني في غزةوتقول هديل لموقع "سكاي نيوز عربية" إن العمل في القطاع الصحي نفسه تغير بصورة كبيرة؛ إذ تواجه المرافق الطبية نقصا في الأدوية والمستلزمات الطبية ومعدات الطوارئ، بينما تعمل الطواقم تحت ضغط متواصل نتيجة تدفق المصابين والمرضى، وفي ظروف لا توفر لها الشعور المعتاد بالأمان.
وتأتي شهادتها في وقت تقول فيه منظمة الصحة العالمية إن أكثر من 72 ألف شخص قُتلوا في غزة منذ أكتوبر 2023، وأصيب نحو 182 ألفا حتى مايو 2026، فيما يعاني نحو 43 ألف شخص إصابات مغيرة للحياة، بينهم قرابة 10 آلاف طفل.
لكن الرقم الذي يصف عدد الضحايا لا يروي وحده كيف تبدلت حياة من بقوا. فهديل لم تفقد شقيقا ومنزلًا فقط؛ بل تغير أيضا المكان الذي تذهب إليه كل يوم للعمل، والمهنة التي تمارسها، والظروف التي تؤدي فيها دورها كممرضة.
حين يصبح الغد مجهولاأما المعلمة منى حمد، من دير البلح وسط القطاع، فتضع كلمة واحدة في مقدمة ما فقده سكان غزة: الأمان.
وتقول لموقع "سكاي نيوز عربية" "إن الأسر لم تعد قادرة على التخطيط حتى لليوم التالي، وإن خروج الأبناء إلى الشارع أو ذهابهم إلى الجامعة أصبح مصدر قلق دائم".
طفل يحمل إناء وسط الدماروفي التعليم، تقول إن المعلمين يحاولون إعادة العملية التعليمية رغم غياب البيئة المدرسية التي عرفوها قبل الحرب؛ فلا المقاعد والطاولات متاحة دائما، ولا المواد التعليمية الأساسية، بينما أصبحت بعض المستلزمات أكثر ندرة وارتفعت أسعار أخرى.
وترى حمد أن إعادة بناء المباني يمكن أن تكون ممكنة إذا توافرت الموارد، لكن إعادة بناء ما تركته الحرب داخل الأطفال والطلاب ستحتاج إلى وقت أطول.
وتقول إن الترميم النفسي للأطفال والطلاب سيحتاج إلى سنوات، بالنظر إلى ما عاشوه من نزوح وفقدان وخوف وحرمان.
ولا تبدو هذه المخاوف منفصلة عن الواقع الذي تصفه المنظمات الدولية.
ففي سبتمبر 2026، قالت منظمة الصحة العالمية إن نحو 1.7 مليون شخص ما زالوا نازحين في غزة، يعيش معظمهم في ظروف مكتظة مع نقص في المأوى والمياه والصرف الصحي.
أطفال يواصلون التعلم في خيمةوفي تقرير أممي سابق، قدر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية وجود نحو 1600 موقع للنزوح تستضيف قرابة 1.7 مليون شخص، مع استمرار مخاطر الفيضانات وسوء الصرف الصحي والاكتظاظ.
هكذا لم يعد النزوح حدثًا مؤقتًا في حياة كثير من الأسر، بل تحول إلى نمط معيشة امتد لسنوات.
دمار لا يطال الجدران وحدهاولا تقتصر آثار الحرب على ما فقده الأشخاص من منازل وممتلكات، بل تمتد إلى المكان الذي كانت تُبنى فيه حياتهم اليومية.
ووفق أحدث تقييم لصور الأقمار الاصطناعية حتى 16 يونيو 2026، تعرض نحو 201 ألف و290 مبنى في قطاع غزة للضرر، أي نحو 82 بالمئة من إجمالي المباني، بينها أكثر من 134 ألف مبنى دُمّر بالكامل، فيما بلغ عدد الوحدات السكنية المتضررة نحو 329 ألف وحدة.
وراء كل رقم من هذه الأرقام مساحة كانت تؤدي وظيفة في حياة شخص ما: منزلًا، مدرسة، متجرا، ورشة، أو مكانا للعمل.
أطفال يمرون قرب مبان دمرتها الحربويقول النقابي محمد الدرباشي عضو نقابة العمل سابقاً، من خان يونس، إن السكان يتطلعون بعد سنوات الحرب إلى عودة الحياة الاقتصادية، وخصوصا قطاع البناء، مع فتح المعابر والسماح بدخول المواد اللازمة لإعادة الإعمار.
ويقول الدرباشي لموقع "سكاي نيوز عربية" إن "عودة قطاع البناء لا تعني إعادة تشييد المباني فقط، بل استعادة دورة اقتصادية يعتمد عليها آلاف الأشخاص في أعمالهم ومداخيلهم".
ويحذر من أن استمرار النزوح يفاقم صعوبة الحياة، خصوصا مع اقتراب فصل الشتاء.
وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 400 موقع للنازحين جرى تقييمها استعدادا لموسم الأمطار، بينها 217 موقعا مصنفة معرضة لخطر متوسط أو مرتفع للفيضانات، وتضم نحو 235 ألف شخص.
الحياة تمضي خلف جدران تهدمتعندما يتغير معنى العملفي غزة قبل الحرب، كان العمل بالنسبة إلى كثير من الأسر أكثر من مصدر للدخل؛ كان وسيلة للاستقلال، وتنظيم الحياة، والتخطيط للمستقبل.
أما اليوم، فقد أصبح استعادة النشاط الاقتصادي جزءًا من معركة التعافي نفسها.
فالمباني المدمرة تعني ورشًا مغلقة، والأراضي المتضررة تعني مصادر رزق مهددة، وتوقف حركة الأسواق يعني أن كثيرًا من الأسر لا تستطيع العودة إلى نمط الحياة الذي عرفته قبل الحرب.
ومن هنا، لا تبدو إعادة الإعمار مسألة إسمنت وحديد فقط؛ فإعادة بناء المكان ترتبط بإعادة بناء قدرة الناس على العمل، وكسب الدخل، وتأمين احتياجات أسرهم.
شارع تحاصره المباني المتضررة والأنقاضبعد 3 سنوات.. ماذا بقي؟بعد 3 سنوات، لا تبدو حياة غزة مختلفة فقط في شكل مدنها ومبانيها، بل في تفاصيلها اليومية.
بالنسبة إلى هادي إبراهيم، أصبح المنزل الذي كان يجمع عائلته جزءًا من الماضي، بينما كبرت طفلة له بعيدا عنه.
وبالنسبة إلى هديل أحمد، لم يعد فقدان البيت منفصلًا عن فقدان شقيقها، ولا العمل في المستشفى منفصلًا عن الخوف والنقص والضغط.
أما منى حمد، فترى جيلًا من الطلاب يحاول العودة إلى التعليم، بينما يحمل معه سنوات من النزوح والخوف والفقدان.
ويأمل محمد الدرباشي أن تعود عجلة البناء والعمل إلى الدوران، بعدما أصبحت إعادة إعمار المكان شرطًا لاستعادة جانب من الحياة الاقتصادية التي توقفت.
3 سنوات مرت، لكن آثارها لا تقاس فقط بعدد المنازل التي دمرت، أو المدارس التي تضررت، أو الأشخاص الذين فقدوا حياتهم.
خيام النزوح بين البيوت المدمرةفالحرب غيرت أيضا الطريقة التي ينظر بها الناس إلى البيت والعمل والمدرسة والأسرة والغد.
وربما لهذا، فإن إعادة الحياة إلى غزة لن تعني فقط أن ترتفع المباني من جديد، أو أن تعود الأسواق إلى العمل.
ستعني أيضا أن يتمكن أب من رؤية طفلته التي ولدت بعيدا عنه، وأن تعود ممرضة إلى عملها من دون أن تحمل فقدها معها إلى كل وردية، وأن يعود طفل إلى مدرسة لا يخشى الوصول إليها، وأن يصبح للناس مرة أخرى سبب للتخطيط ليوم الغد.
فبعد 3 سنوات، لا يحتاج سكان غزة إلى استعادة ما تهدم حولهم فقط؛ بل إلى استعادة حياةٍ كان يمكنهم، قبل الحرب، أن يتخيلوا مستقبلها.
المصدر: سكاي نيوز عربية