التصعيد لا يتوقف: غارات وتفجيرات..الميدان يضغط على السياسة
تصعيد إسرائيلي واسع شهدته قرى وبلدات جنوب لبنان تزامن مع تحركات سياسية لبنانية ودولية لبحث مستقبل الجنوب والتهدئة.
شهد جنوب لبنان، السبت 19.09.2026، يوماً طويلاً ومفتوحاً من التصعيد الإسرائيلي، بدأ بعمليات تفجير وهدم وقصف مدفعي في القرى الحدوديّة، واتّسع تدريجيّاً إلى سلسلة غارات جويّة طالت النبطية الفوقا وحداثا وحاريص وكفرتبنيت ووادي السلوقي، فيما تكرّرت عمليات التفجير وإحراق المنازل في المنصوري. وفي موازاة التصعيد الميداني، برزت رسائل سياسية متقابلة، إذ أعاد الأمين العام لـ"حزب الله" نعيم قاسم تثبيت خيار المقاومة، بينما يستعدّ رئيس الحكومة نواف سلام لنقل ملف الجنوب إلى نيويورك وواشنطن، في لحظة تتكثّف فيها الأسئلة حول الانسحاب الإسرائيلي، ومستقبل المفاوضات، ودور الجيش اللبناني بعد انتهاء مهمّة "اليونيفيل".
العبوة توسّع دائرة الغارات
وتصاعدت حدّة المواجهة بعدما أعلن الجيش الإسرائيلي إصابة جنديَّين بجروح طفيفة إثر انفجار عبوة ناسفة بآلية هندسيّة تابعة له داخل ما يسمّيه "المنطقة الأمنيّة". واتّهم "حزب الله" بزرعها، قبل أن يعلن تنفيذ سلسلة ضربات على مواقع قال إنّها تابعة للحزب.
ومساءً، تركزت الغارات على النبطية الفوقا، التي استُهدفت على دفعات، قبل أن يشنّ الطيران الإسرائيلي قرابة الحادية عشرة ليلاً غارتين جديدتين على البلدة، بالتزامن مع غارة على كفرتبنيت، ثمّ أخرى على وادي السلوقي. وخلال إحدى جولات القصف، نجا فريق من الإسعاف الصحّي في كشّافة الرسالة الإسلاميّة وإسعاف بيت الطلبة، بعدما وقعت غارة أثناء توجّهه إلى موقع الاستهدافات السابقة.
باريس و"اليونيفيل"
ويأتي التصعيد بعد أيام من اجتماع باريس الذي تناول دعم الجيش اللبناني والتحضير لمؤتمر دولي مخصّص للجيش وقوى الأمن الداخلي، في وقت تتقدّم فيه مسألة الترتيبات الأمنيّة التي ستلي انتهاء مهمّة "اليونيفيل". وكان الرئيس جوزاف عون قد أطلع سلام، في 18 أيلول، على نتائج لقاءات باريس والتحضيرات لمؤتمر دعم الجيش، بالتوازي مع بحث الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على الجنوب.
لكنّ السؤال لا يتعلّق فقط بقدرات الجيش، بل بقدرته على ممارسة مهمّاته فعليّاً على الأرض في ظلّ استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي. وقد عكست حادثة دير ميماس هذا التعقيد، بعدما اقتربت قوّة إسرائيلية من نقطة مراقبة مستحدثة للجيش اللبناني وألقت قنابل صوتيّة في محيطها، قبل احتواء التوتّر عبر آليات التنسيق.
وفي خلفيّة ذلك، يتقدّم العدّ العكسي لمرحلة ما بعد "اليونيفيل"، وسط نقاش دولي حول كيفية انتقال جزء من مسؤولياتها إلى الجيش اللبناني، وما إذا كانت ستنشأ صيغة دولية جديدة لمواكبته.
قاسم يعيد تثبيت خيار المقاومة
وفي موازاة المسار الرسمي، أعاد أمين عام "حزب الله" نعيم قاسم التأكيد أنّ "المقاومة" تبقى، وفق رؤية "حزب الله"، السبيل لتحرير الأرض واستعادة الحقوق، رغم إقراره بعدم وجود تكافؤ عسكري مع إسرائيل. واعتبر أنّ الحزب "منصور" ما دام قد صمد ومنع إسرائيل من تحقيق أهدافها.
ويأتي هذا الموقف في وقت تدفع فيه الدولة باتجاه تعزيز دور الجيش وتكريس حصرية الأمن والسلاح بيدها، ما يضع مستقبل سلاح الحزب وموقعه في أيّ ترتيبات جديدة للجنوب في قلب النقاش السياسي المقبل.
سلام يحمل الجنوب إلى أميركا
وفي خضمّ هذه التطوّرات، يتوجّه رئيس الحكومة نواف سلام إلى الولايات المتحدة، حيث يشارك في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، على أن تشمل تحرّكاته لقاءات واتصالات أميركية، فيما يحتلّ ملف الجنوب حيّزاً أساسيّاً في جدول أعماله. وكان سلام قد نسّق مع رئيس مجلس النواب نبيه برّي بشأن التطوّرات والملفات التي ستُطرح خلال هذه اللقاءات. وأفادت مصادر متقاطعة بأنّ مشاركته في اجتماعات نيويورك تأتي فيما تتقدّم قضايا الجنوب ودعم الجيش في الاتصالات اللبنانية الخارجية.
ولا تحمل بيروت إلى الولايات المتحدة ملفّ تحديد موعد المفاوضات وحده. فالتصعيد الأخير رفع سقف الملفات المطلوب بحثها، من الانسحاب الإسرائيلي، وحدود ما تسمّيه إسرائيل "المنطقة الأمنيّة"، وانتشار الجيش، إلى مستقبل "اليونيفيل" وشكل أيّ حضور دولي لاحق، فضلاً عن مسار حصرية السلاح بيد الدولة. وهي ملفات تجعل زيارة سلام جزءًا من محاولة نقل الضغط الميداني إلى مسار سياسي ودبلوماسي أوسع.
المصدر: المدن
2026-09-20 || 09:42