كيف تحول الطموح العسكري التركي لكابوس إستراتيجي لإسرائيل؟
إسطنبول تختتم فعاليات معرض "ساها 2026" للصناعات الدفاعية وسط إبراز التطور العسكري التركي، مع تقارير إسرائيلية تتحدث عن تصاعد الطموح العسكري والبحري لأنقرة والذي يشكل "تحد مركب وغير مسبوق" لإسرائيل.
اختتمت مدينة إسطنبول فعاليات معرض "ساها 2026" الدولي للصناعات الدفاعية والطيران والفضاء، في نسخة وُصفت بأنها الأكبر في تاريخ الصناعات العسكرية التركية، وسط أرقام قياسية في حجم المشاركة والعقود الموقعة، ورسائل سياسية وعسكرية عكست حجم الطموح التركي للتحول إلى قوة دفاعية عالمية.
ويأتي المعرض هذا العام في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية، بعد شهر من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وما تبعها من إعادة تشكيل لمفاهيم الردع والحروب منخفضة التكلفة، وهو ما انعكس بوضوح على طبيعة التقنيات والأسلحة التي ركزت عليها الشركات المشاركة.
وانطلقت فعاليات المعرض في الخامس من مايو/ أيار الجاري واستمرت حتى التاسع منه، على مساحة قاربت 400 ألف متر مربع، بمشاركة أكثر من 1700 شركة محلية ودولية، بينها 263 شركة أجنبية، إضافة إلى وفود رسمية ومختصين من أكثر من 120 دولة.
واستقطب المعرض أكثر من 200 ألف زائر، بينهم نحو 30 ألف متخصص في قطاع الصناعات الدفاعية والطيران والفضاء.
وشهدت نسخة هذا العام الكشف عن 203 منتجات جديدة للمرة الأولى، شملت مسيّرات قتالية وذخائر ذكية وأنظمة صواريخ ورادارات وسفنا حربية وتقنيات حرب إلكترونية.
كما تم تنظيم عشرات المؤتمرات التقنية ونحو 30 ألف اجتماع ثنائي بين الشركات والوفود المشاركة، في محاولة لتعزيز الشراكات الدفاعية التركية وتوسيع صادراتها العسكرية.
وبرز خلال المعرض تركيز واضح على الذخائر الذكية المتنقلة والحلول العسكرية منخفضة التكلفة، وهي فئة من الأسلحة أثبتت فعاليتها خلال الحروب الأخيرة، خاصة في أوكرانيا وغزة والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
وقال المدير العام لشركة "بايكار" التركية المصنعة للمسيّرات ورئيس مجلس إدارة "ساها إسطنبول" خلوق بيرقدار، إن الشركة اختارت هذا العام عرض مزيد من الذخائر المتنقلة.
وأكد أن التطورات الأخيرة أظهرت أن "التقنيات منخفضة التكلفة وعالية الإنتاجية والمتنقلة وصغيرة الحجم أصبحت تلعب دورا مهما في ساحات المعارك".
تعزيز الاستقلال الدفاعي
ولم يقتصر "ساها 2026" على الجانب التجاري فقط، بل تحول إلى منصة لإظهار التقدم العسكري والتكنولوجي التركي، في ظل سعي أنقرة لتعزيز استقلالها الدفاعي وتقليل الاعتماد على الموردين الغربيين.
كما شكّل المعرض مساحة لاستعراض الصناعات التركية أمام الأسواق الأفريقية والآسيوية والعربية، خاصة مع مشاركة وفود شراء رسمية من عشرات الدول.
وفي إطار فعاليات "يوم العروض البحرية" ضمن المعرض الدولي للصناعات الدفاعية والطيران والفضاء، نفذت السفينة الهجومية البرمائية التركية (TCG Anadolu) زيارة رسو في مرسى أتاكوي بمدينة إسطنبول.
وشهدت الزيارة حضورا دوليا لافتا، إذ استقبلت السفينة 52 ممثلا من 14 دولة، بينهم وزير الدفاع النيجيري، والسفير الياباني والملحق البحري الياباني، وقائد الدرك الأردني، ومسؤولون عسكريون من كوريا الجنوبية والبرتغال والجزائر ورومانيا وليتوانيا وغواتيمالا وإسبانيا ومنغوليا وقرغيزستان وتركمانستان وإندونيسيا.
وتضمنت الزيارة جولة داخل مناطق العرض البرمائي على متن السفينة، إضافة إلى استعراض الطائرات والمعدات الموجودة على سطح الطيران، والتعريف بجسر القيادة وبرج التحكم بالطيران، في خطوة هدفت إلى إبراز القدرات البحرية والبرمائية التركية أمام الوفود الأجنبية.
وأثار نجاح المعرض تفاعلا واسعا داخل تركيا، حيث اعتبره مسؤولون وسياسيون ومؤسسات دفاعية دليلا على تحول الصناعات العسكرية التركية إلى أحد أعمدة النفوذ الإقليمي والدولي لأنقرة.
تصريحات واحتفاء القيادة التركية
وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في تدوينة عبر منصة "إكس"، إن "الصناعات الدفاعية والطيران والفضاء التركية أصبحت منظومة تحظى بالثقة والاهتمام والتفضيل على مستوى العالم، وليس فقط في المنطقة".
وأوضح أن إجمالي حجم الأعمال بلغ 8 مليارات دولار، منها 6 مليارات مخصصة لاتفاقيات تصدير مباشرة، معتبرا أن تركيا "أصبحت من الدول التي يسطع نجمها عالميا في مجالات الدفاع والطيران والفضاء".
بدوره، أكد خلوق بيرقدار أن المعرض استقبل خلال أربعة أيام نحو 112 ألف زائر، وقال إن هذه الأرقام تعكس حجم التقدم الذي حققته تركيا في مجالات الصناعات الدفاعية والطيران والفضاء.
أما رئيس مجلس الإدارة التنفيذي والمدير التقني لشركة "بايكار" سلجوق بيرقدار، فسلط الضوء على أحدث منتجات الشركة، معلنا عرض الذخيرة الذكية المتسكعة "البعوضة" خلال المعرض، بعد ظهورها في مناورات "أفس".
واعتبر كثير من المتابعين أن هذا النوع من الذخائر يعكس التحول التركي نحو تطوير أسلحة صغيرة منخفضة التكلفة وعالية الفاعلية، تتناسب مع طبيعة الحروب الحديثة.
في السياق ذاته، أشاد نائب وزير الدفاع التركي صالح أيهان بالمعرض مؤكدا أن المشاركة العالية عكست المستوى المتقدم الذي وصلت إليه الصناعات الدفاعية التركية وقدرتها على المنافسة عالميا.
وقال في منشور عبر منصة "إكس" إن المعرض كشف مجددا عن قوة قطاع الصناعات الدفاعية التركي.
كما احتفى حساب "ساها إسطنبول" الرسمي بالإقبال الشعبي الكبير على المعرض بعد فتح أبوابه للعامة، وكتب أن اهتمام المواطنين من مختلف الأعمار "يبعث على الفخر اليوم والأمل للمستقبل".
في حين دعا المدير العام لشركة "أسيلسان" أحمد أكيول الجمهور إلى زيارة المعرض والتعرف على أحدث التقنيات التركية.
وفي السياق نفسه، أثارت تصريحات وزير النقل والبنية التحتية التركي عبد القادر أورال أوغلو تفاعلا واسعا، بعدما تحدث عن "أول صاروخ بالستي عابر للقارات" تركي يحمل اسم "يلدريم خان"، معتبرا أنه يمثل "إرادة ردع جديدة تغير التوازنات".
كما وصف مساعد وزير الداخلية التركي بولنت توران ما تحقق بأنه ثمرة جهود محلية خالصة "لم تُشتر من أحد".
قلق إسرائيلي من تصاعد الطموح العسكري التركي:
في المقابل، لم يمر هذا التصاعد التركي دون اهتمام إسرائيلي، إذ بثت القناة 13 الإسرائيلية تقريرا مطولا اعتبر أن عقيدة "الوطن الأزرق" التركية تحوّل أنقرة بسرعة إلى "قوة بحرية استراتيجية تمتد من اليونان حتى اليمن"، ووصفتها بأنها "تحد غير مسبوق" لإسرائيل.
وأشار التقرير إلى أن تركيا لم تعد تكتفي برسم الخرائط، بل باتت تفرض رؤيتها عبر "إسقاط القوة والدبلوماسية العدوانية".
وربط التقرير الإسرائيلي بين توسع النفوذ التركي في شرق المتوسط والقرن الأفريقي وسوريا وغزة وليبيا، وبين عقيدة "الوطن الأزرق" التي صاغها ضباط بحرية أتراك عام 2006، قبل أن تتحول لاحقا إلى أحد أعمدة السياسة الخارجية للرئيس التركي أردوغان.
وذكر التقرير أن العقيدة تهدف إلى فرض سيطرة بحرية واسعة على نحو 462 ألف كيلومتر مربع، وتأمين النفوذ التركي في الممرات البحرية الحيوية بين البحر الأسود والبحر المتوسط، إلى جانب الوصول إلى احتياطيات الغاز والنفط في شرق المتوسط.
وبحسب القناة الإسرائيلية، فإن تركيا تعمل على بناء شبكة نفوذ تمتد من شمال سوريا إلى ليبيا والقرن الأفريقي وقطاع غزة، بما يسمح لها بالتأثير على خطوط الملاحة والطاقة في المنطقة.
كما اعتبرت أن القواعد والموانئ التركية في ليبيا والصومال تمنح أنقرة قدرة متزايدة على التأثير في مضيق باب المندب وطرق التجارة البحرية، في وقت ترى فيه إسرائيل أن هذا التمدد قد يحد من حرية تحركها العسكرية والأمنية في شرق المتوسط والبحر الأحمر.
واعتبرت القناة الإسرائيلية أن صعود تركيا كقوة إقليمية ودولية لم يعد مجرد طموح سياسي، بل مشروع جيوسياسي متكامل يجمع بين الصناعات العسكرية والتوسع البحري والتحالفات الإقليمية، وهو ما يضع إسرائيل أمام "تحد مركب وغير مسبوق"، خاصة أن أنقرة تتحرك من داخل المنظومة الغربية بوصفها عضوا في حلف الناتو وشريكا استراتيجيا للولايات المتحدة.
المصدر: وكالات
2026-05-10 || 08:23