رحيل "صوت الناس": محطات في حياة أحمد قعبور
الفنان والمبدع اللبناني أحمد قعبور يرحل تاركاً إرثاً فنياً وموسيقياً غنياً غنى فيه لقضايا الناس والوطن وفلسطين، ومسيرةً إبداعية تشكلت من ذاكرة بيروت وأصواتها الشعبية.
رحل الفنان اللبناني أحمد قعبور(1955 – 2026) بعد معاناة مع المرض. أحمد قعبور صاحب "أناديكم" و"علّوا البيارق" و"شو بعاد"، و"نحنا الناس"، و"لعيونك"، هو الفنان المبدع الذي بقي بين الناس ومعهم وغنى قضاياهم ومدينتهم وطفولتهم وقراهم.
ذكريات بيروت والأصوات
قعبور الصوت الآتي من أصوات الناس، وقد كان لأصوات المدينة وقعها الإيقاعي والموسيقي في ذاكرته والكلمات التي غناها أو لحنها... فالفنان الذي عاش في البدايات مع أهله وأخوته الخمسة وأبناء عمه (الأيتام) في منطقة البسطة التحتا على تخوم وسط بيروت، كانت علاقته بهذا المكان (وسط بيروت) ترتبط أولاً بالعيد ثم بالسينما، التي كان صاحب "علّوا البيارق" مغرماً بها، يأخذ عيدية من والدته ويذهب إلى صالات "روكسي" و"راديو سيتي" و"أمير"، وأحياناً يشترى الثياب من بالات المعرض أو الأحذية من محل الأرمني قرب كنيسة الروم، ثم بدأتْ بيروت تكبر في عينه ولم تعد حدودها البيت ومصطبته، العابقة بذاكرة التأمل ورائحة مربى السفرجل، ولا حديقة الحجة آمنة، ولا الخندق الغميق الذي ضاع فيه ذات يوم قرب الكنيسة، ويومها عرف أن الطريق الذي ضاع فيه يودي إلى "البلد".
هكذا تعرف أحمد قعبور الى وسط بيروت من خلال رغبته في متابعة السينما، وفي داخل الصالة كان الصمت أحلى صوت بالنسبة إليه، أما الخارج فهو مزيج من أصوات الباعة وزحمة السوق ومحطات السفر والمقاهي وسينما الكابيتول وساعة الزهور في ساحة الشهداء، كانت محطة خاصة للنازل إلى البلد، يسمع من خلالها النشيد الوطني مثلاً... وبعد مرحلة البسطة التحتا غادر أحمد قعبور مع عائلته الى شارع حمد في الطريق الجديدة، وهناك صار للأصوات محطات أخرى. ثمة صوتان علقا في ذاكرة قعبور السمعية من ذلك المكان، صنعا هويته الموسيقية، ومزاجه واتجاهه العاطفي... الصوت الأول هو الخيول حين تمشي في الصباح، وقع حوافرهم (خببها) على الإسفلت، فبالقرب من بيته على تخوم ارض جلول- الطريق الجديدة، كان يوجد استبل للأحصنة واندثر... صوت حوافر الخيل كان في غاية الروعة، فيه أيقاع، صحيح أنه رتيب لكنه مريح، ويشكل مصدر سكينة، وكان له علاقة ببداية النهار وطلوع الشمس والضوء وتفتح الأشياء.
الصوت الثاني الذي كان نقيض الأول، ويشكل صوت الوجع والألم، هو صوت سعال والده محمود الرشيدي. حين كان صغيراً يسمع سعاله يشعر أنه سيموت، لقد أصابته "صفقة هواء" عندما كان يزور فلسطين، وباتت رئتاه تخزنان الماء الذي يشكل مصدر ألم دائم وسعال لا ينتهي.
وثمة أصوات في حرج العيد تمثلت في المهرجانات التي كانت تقام كل سنة، وتعرف عليها في نهايتها، كانوا يأتون بفرق من مصر والصين... وفي هذه المرحلة، في الستينيات، كانت بدايات التعرف إلى التكنولوجيا من خلال "الفيسبا"، وجربه قعبور وقد اصطدمت بالحائط والشجرة... وهناك صوت كمنجة والده، فهو من قدماء عازفي الكمنجة في بيروت... والكثير من الأصوات لها وقعها في ذاكرته منها المسحراتي الذي استوحى منه أغنية "علّوا البيارق"، وصوت بائع العناب على العربة، اسمه محمد البنا ينادونه "محمد الفقير" ينادي بإيقاع مميز "هدايا... للأحباب... يا عناب"، كان فقيراً ويعطي العناب مجاناً للأولاد. وهناك بائع آخر ينادي "في تمر... في جوز"(كعك)، وبائع "السردين"، وبائع الكعك الذي لا بدّ أن يقول "كعك... كعك"، حتى يكتمل الإيقاع.
والصوت الذي لا ينسى هو صوت البوسطة القديمة، خصوصاً عندما تكون في رحلة الى الجبل ورويسات صوفر، حيث كان قعبور يزور بعض الأقرباء في مكان اصطيافهم، عندما كان يعود على طريق صيدا القديمة إلى بيروت، كان يشعر أنه في طريقه الى الجنة، فالأمكنة الأخرى كان ضيفاً فيها.
ثمة محطة مفصلية في حياته وهي فيلم "سيد درويش"، شاهدته في سينما "أمير" في رياض الصلح، كان في العاشرة أو أكبر بقليل، هذا الفيلم دله أو أرشده إلى الطريق الذي أحبّ أن يمشي عليه، عرفه على سيرة سيد درويش وأغنياته، موسيقاه، مواقفه البسيطة، تمرده، وعشقه ومؤثراته...
المحطة الأخرى كانت في مدرسة الإيمان الشهيرة بمبناها وإنارتها، وقد دمرها الطيران الإسرائيلي أثناء الاجتياح 1982 بعد مرور الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات فيها، في هذه المدرسة اكتشف عازف البيانو سليم فليفل صوته وتتلمذ على يده، وهو أحد الأسماء البارزة في تاريخ الموسيقى اللبنانية، ولا سيما في مجال الأناشيد الوطنية والغناء الجماعي. وفي سنوات التلمذة على يد فليفل، تعلم أن الإصغاء يسبق الغناء، وأن الصوت ليس أداة تقنية فحسب، بل حامل معنى وموقف.
انطلاقة الغناء والتلحين
علاقة أحمد قعبور بالصوت والموسيقى متشعبة بتشعب بيروت التي أحبها، في المقابل انطلاقته الفعلية في الغناء بدأت مع قصيدة "أناديكم" للشاعر توفيق زياد التي لحنها في بداية شبابه لتدوي، وتنتشر كما لم تنتشر أغنية فلسطينية من قبل، ففي عام 1975، وكان انتسب إلى منظمة العمل الشيوعي، اشتعلت الحرب الأهلية في لبنان وتركت في نفسه آثاراً عميقة. وفي أجواء القصف وانقطاع الكهرباء وصوت رصاص الاشتباكات، أخرج قعبور قصيدة توفيق زياد "أناديكم"، ولحّنها، فكانت أولى ممارساته مع التلحين، وغنّاها فكانت أول اختبار غنائي يخوضه، ولعل أحمد قعبور كان دقيقاً حين عبر عن تفوق شهرة الأغنية على شهرته بقوله: "لحّنتها وغنيّتها.. وسبقتني"، إذ أصبحت الأغنية حاضرة في كل مكان، وفي كل نشاط فني حماسي، وصارت الخلفية الموسيقية لعشرات الأفلام التي توثق نضال الشعب الفلسطيني.
ربط أحمد قعبور نفسه بقضية فلسطين، وخصص لها جانباً كبيراً من جهده الفني تلحيناً وغناء، ومن أهم أعماله لفلسطين: "لاجئ سَمُّوني لاجئ"، و"يا نبض الضفة"، و"يا عشاق الأرض هلموا". الى جانب اهتمامه بقضية فلسطين، كان يغني الناس قصائد عمر الزعني ومحمد العبد الله وأغنيات مثل "صلوا على النبي" و"صبح الصباح"، و"لو جمعنا دموع الأرض" و"علّوا البيارق". مع انطلاقة تلفزيون المستقبل، أسهم في برامج موسيقية موجهة للجمهور العام، مثل "لعيونك"، و"بتمون"، و"روح شوف مستقبلك"، بالتعاون مع فرقة "الطرابيش"، محققا توازنا بين الحداثة والتراث الشعبي.
سيرة
ولد أحمد قعبور في بيروت عام 1955، والده محمود الرشيدي أحد عازفي الكمان الأوائل في لبنان ووالدته الفنانة التشكيلية إيمان بكداش. أتم دراسته الابتدائية في الكلية البطريركية في بيروت والإعدادية في مدرسة «البرّ والإحسان». وبين 1972 و1973 درس في دار المعلمين صباحاً وارتاد المدرسة الثانوية مساء. انضم إلى قسم المسرح في معهد الفنون الجميلة- الجامعة اللبنانية عام 1978 وتخرج حاملاً دبلوماً في المسرح.
منذ ذلك الوقت، صار قعبور يحيى الحفلات الموسيقية ويسهم في الإنتاج الغنائي والمسرحي الموجه للأطفال بدءاً من فكرة «السنابل» وصولاً إلى «مسرح الدمى اللبناني». كتب مقطوعات موسيقية تبث في الشاشات وعبر أثير الإذاعات اللبنانية والعربية. بدأ حياته ممثلاً قبل أن يتحوّل إلى الموسيقى التي كرسها للإنسان. وأدى دور وديع حداد المناضل الفلسطيني في فيلم «كارلوس» للمخرج الفرنسي أوليفييه أساياس، وشارك في حفلة افتتاحه في «مهرجان كان السينمائي».
أرشيفه الموسيقي
يتميز أرشيف أحمد قعبور بمجموعة متنوعة من الأغنيات (من ألحانه) والموسيقى التصويرية لمسلسلات من أبرزها: نوبيون (كلمات حسن ضاهر)، نحنا الناس (كلمات الشاعر اللبناني محمد العبد الله)، أمي (كلمات الشاعر الفلسطيني محمود درويش)، يا نبض الضفة (كلمات حسن ضاهر)، يا رايح صوب بلادي (كلمات أحمد قعبور)، يا ستي (مستوحاة من كاريكاتور ناجي العلي غناء محمد قدسي)، صبح الصباح (كلمات عبيدو باشا)، والله وطلعناهم برا (كلمات أحمد قعبور)، إرحل (كلمات حسن ضاهر)، بيروت يا بيروت (كلمات عبيدو باشا)، علّوا البيارق (كلمات أحمد قعبور)، خيال (كلمات أحمد قعبور)، موشح البلد (كلمات عبيدو باشا)، يا حرش بيروت (كلمات عبيدو باشا)، لاجئ (أحمد قعبور)».
ألّف موسيقى «مع الإنسان» لمسلسل من إخراج وعد علامة، و«صور» لمسلسل من إخراج نجدت أنزور.
ومن أبرز ما كتب ولحّن:
أناديكم: وهي قصيدة مقاومة مؤثرة أصبحت رمزًا للنضال الفلسطيني.
يا نبض الضفة: قصيدة تعبّر عن التضامن مع الشعب الفلسطيني وقضاياه.
يا رايح صوب بلادي:
عمل يحمل الحنين إلى الوطن، خصوصًا في سياق الغربة واللجوء.
يا فلسطينية: قصيدة تغني للمرأة الفلسطينية وصمودها.
يا ستي ليكي ليكي: من الأغاني الوطنية التي تعبّر عن الحب العميق للبنان رغم الأزمات والحروب والقصف.
ترددت ألحانه في حناجر المطربين الملتزمين بالقضايا الوطنية، منهم جوليا بطرس وخالد الهبر وآخرون.
المصدر: المدن
2026-03-27 || 14:33