حرب الصواريخ بين إيران وإسرائيل: ماذا تقول الأرقام؟
أطلقت إيران مئات الصواريخ والمسيّرات نحو إسرائيل منذ 28 شباط 2026، لكن عدد الضربات الفعلية التي وصلت محدود، في مواجهة صاروخية تكشف قدرات الدفاع الجوي الإسرائيلي.
على الرغم من إعلان إيران تنفيذ 32 موجة هجومية ضد إسرائيل منذ بداية الحرب في 28 شباط/ فبراير 2026، تشير مراجعة البيانات الميدانية داخل إسرائيل إلى صورة مختلفة عمّا توحي به هذه الأرقام.
فخلال الأيام الأحد عشر الأولى من المواجهة أطلقت إيران مئات الصواريخ الباليستية والمسيّرات باتجاه إسرائيل. لكن عدد الضربات التي وصلت فعلياً إلى المدن الإسرائيلية بقي محدوداً للغاية مقارنة بحجم الهجمات المعلنة.
ويرى محللون عسكريون أن هذه المواجهة تمثل واحدة من أكبر حالات الاستخدام المباشر للصواريخ الباليستية بين دولتين في الشرق الأوسط في العقود الأخيرة. ويقول الباحث في برنامج الصواريخ في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية "IISS" فابيان هينز، إن "إطلاق هذا العدد من الصواريخ خلال فترة قصيرة يمثل تطوراً مهماً في استخدام إيران لقدراتها الباليستية، ويكشف في الوقت نفسه حدود الدفاعات الجوية عندما تواجه هجمات متتالية".
ويعتمد هذا التقرير على مراجعة بيانات صفارات الإنذار الصادرة عن قيادة الجبهة الداخلية الإسرائيلية وتقارير الجيش الإسرائيلي حول عمليات الاعتراض، إضافة إلى تغطيات وكالات الأنباء الدولية مثل "رويترز" و"أسوشيتد برس". كما يستند إلى تحليلات تقنية حول الصواريخ الإيرانية منشورة في تقارير مراكز أبحاث عسكرية مثل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية "CSIS" والمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية "IISS"، وبالاعتماد على هذه المصادر جرى بناء قاعدة بيانات زمنية للهجمات الصاروخية لتقدير عدد الرشقات وأنواع المقذوفات المستخدمة ومقارنة الأرقام المعلنة بالنتائج الفعلية داخل إسرائيل.
الحرب بالأرقام
وخلال الأيام الأولى من المواجهة بين 28 شباط/ فبراير و10 آذار/ مارس تشير البيانات المتاحة إلى الصورة التالية 32 موجة أعلنتها إيران، و20 – 26 رشقة يمكن رصدها ميدانياً 220 – 300 صاروخ أُطلقت نحو إسرائيل، وأقل من 10 ضربات مباشرة وصلت إلى المدن الإسرائيلية، وانخفاض وتيرة الإطلاق لاحقاً بنحو 90%.
تكشف هذه الأرقام فجوة واضحة بين الأرقام المعلنة والنتائج الميدانية الفعلية.
التسلسل الزمني للهجمات الصاروخية
وتشير مراجعة صفارات الإنذار وتقارير الاعتراض داخل إسرائيل إلى تسلسل واضح للهجمات الصاروخية خلال الأيام الأولى من الحرب. فقد بدأت المواجهة مساء 28 شباط/ فبراير مع إطلاق أولى الرشقات الباليستية الإيرانية بعد الضربة الإسرائيلية داخل إيران، حيث دوت صفارات الإنذار في مناطق واسعة من البلاد، من تل أبيب إلى القدس.
وفي الأول من آذار/ مارس سقط صاروخ في مدينة بيت شيمش متسبباً في سقوط قتلى وجرحى، في واحدة من أولى الضربات المباشرة داخل مدينة إسرائيلية.
وخلال 2 و3 آذار/ مارس استمرت رشقات صاروخية متقاربة استهدفت بشكل رئيسي وسط إسرائيل، قبل أن تبدأ كثافة الهجمات بالتراجع تدريجياً بين 4 و6 آذار/ مارس مقارنة بالأيام الأولى من الحرب.
وفي 7 و8 آذار/ مارس سُجلت هجمات متفرقة باستخدام صواريخ باليستية ومسيّرات بعيدة المدى، بينما شهد 9 آذار سقوط صاروخ في مدينة يهود أدى إلى مقتل شخص واحد وتسبب بأضرار مادية في المنطقة. وفي 10 آذار/ مارس أعلنت إيران تنفيذ "الموجة 32" من هجماتها الصاروخية منذ بداية المواجهة.
ويقول الباحث في الدفاع الصاروخي في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية "CSIS" إيان ويليامز، إن "المرحلة الافتتاحية في الحروب الصاروخية غالباً ما تكون الأكثر كثافة، لأن الطرف المهاجم يحاول تحقيق أكبر قدر من التأثير قبل أن تتكيف الدفاعات".
ماذا تعني "الموجة 32"؟
وعندما أعلنت إيران تنفيذ "الموجة 32" بدا الرقم وكأنه يشير إلى 32 هجوماً مستقلاً. لكن تحليل البيانات الميدانية يشير إلى تفسير مختلف. حيث يُستخدم مصطلح الموجة في البيانات العسكرية الإيرانية للإشارة إلى إطار عملياتي قد يشمل عدة عمليات إطلاق متزامنة، وليس بالضرورة رشقة صاروخية واحدة.
ويقول الباحث في برنامج الصواريخ في "IISS " فابيان هينز، إن "المصطلحات العسكرية المستخدمة في البيانات الرسمية لا تعكس دائماً عدد عمليات الإطلاق الفعلية، بل قد تعكس طريقة تنظيم العمليات أو الرسائل السياسية المصاحبة لها".
وتشير البيانات المتاحة إلى أن إيران أطلقت ما بين 220 و300 صاروخ باليستي باتجاه إسرائيل خلال الأيام الأحد عشر الأولى من الحرب، مع تقدير مرجح يقارب 250 صاروخاً.
ونقلت وكالة "رويترز" عن مسؤول عسكري أميركي قوله إن إيران أطلقت "مئات الصواريخ والمسيّرات خلال الأيام الأولى من المواجهة"، مشيراً إلى أن وتيرة الهجمات "انخفضت بشكل ملحوظ بعد المرحلة الأولى".
أنواع الصواريخ المستخدمة
واستخدمت إيران مزيجاً من الصواريخ الباليستية الثقيلة والمتوسطة إلى جانب المسيّرات الهجومية. ومن أبرز الصواريخ المستخدمة صاروخ خرمشهر بمدى يقارب 2000 كيلومتر، وصواريخ قدر بمدى يقارب 1600 كيلومتر، وصواريخ ذو الفقار بمدى يقارب 700 كيلومتر
كما تحدثت تقارير إعلامية عن استخدام رؤوس حربية عنقودية في بعض الضربات.
مسارات الصواريخ
وتشير تحليلات مراكز الأبحاث العسكرية إلى أن القسم الأكبر من الصواريخ أُطلق من قواعد صاروخية في غرب إيران.
ومن هذه المناطق تعبر الصواريخ عادة أجواء العراق ثم الأردن قبل دخول المجال الجوي الإسرائيلي.
وتبلغ المسافة التقريبية بين مواقع الإطلاق والعمق الإسرائيلي ما بين 1200 و1800 كيلومتر، ما يعني أن الصواريخ تحتاج عادة إلى 10 إلى 15 دقيقة للوصول إلى أهدافها.
وبطبيعة الحال لم تكن المواجهة الصاروخية بين إيران وإسرائيل مواجهة ثنائية بالكامل. فقد نشرت الولايات المتحدة مدمرات مزودة بمنظومة الدفاع الصاروخي "Aegis " في شرق البحر المتوسط.
وقال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي دانيال هاغاري إن منظومات الدفاع الجوي "اعترضت الغالبية العظمى من الصواريخ التي أُطلقت باتجاه إسرائيل".
ويشير الباحث في الدفاع الصاروخي في "CSIS" توم كاراكـو إلى أن "الأنظمة متعددة الطبقات مثل" Arrow وDavid's Sling وIron Dome " صُممت للتعامل مع هجمات مركبة تشمل صواريخ باليستية ومسيّرات في الوقت نفسه".
لماذا تراجعت الهجمات الصاروخية؟
وتشير البيانات إلى أن الأيام الأولى من الحرب كانت الأكثر كثافة من حيث عدد الرشقات الصاروخية قبل أن تتراجع وتيرة الإطلاق لاحقاً.
ووفق تقديرات نقلتها وكالات أنباء دولية عن مسؤولين عسكريين أميركيين، انخفض معدل إطلاق الصواريخ الإيرانية بنحو 90٪ مقارنة بالأيام الأولى من المواجهة، كما تراجع استخدام المسيّرات بنحو 83٪.
ويقول الباحث في برنامج إيران في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات "FDD" بهنام بن طالبلو إن "إيران تمتلك مخزوناً كبيراً من الصواريخ، لكنها تدرك أيضاً أن إطلاق رشقات كثيفة لفترة طويلة قد يعرّض منصات الإطلاق لخطر الاستهداف".
هل نجحت إسرائيل في تدمير منصات الإطلاق؟
ومنذ بداية الحرب ركزت الضربات الجوية الإسرائيلية داخل إيران على أهداف مرتبطة بالبنية التحتية العسكرية. وتشير تحليلات عسكرية إلى أن إسرائيل حاولت استهداف منصات الإطلاق المتحركة للصواريخ الباليستية المعروفة باسم
"TEL " منصة إطلاق صواريخ متحركة.
ويقول الباحث في برنامج الصواريخ في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية فابيان هينز إن "المنصات المتحركة مثل TEL تمثل العمود الفقري للقدرة الصاروخية الإيرانية، وإذا تمكن الخصم من اكتشافها واستهدافها فإن ذلك قد يقلل بشكل كبير من وتيرة إطلاق الصواريخ".
كما يشير تقرير لمركز "CSIS " إلى أن استهداف منصات الإطلاق أو إجبارها على تغيير مواقعها باستمرار "يمكن أن يعطل عمليات الإطلاق حتى من دون تدمير الصواريخ نفسها".
الصواريخ التي وصلت إلى الأرض
ورغم إطلاق مئات الصواريخ خلال الأيام الأولى من الحرب، فإن عدد الضربات التي وصلت فعلياً إلى الأراضي الإسرائيلية بقي محدوداً.
وأصاب صاروخ منطقة سكنية في بيت شيمش في الأول من آذار، وفي 9 آذار سقط صاروخ في مدينة يهود مخلفاً قتيلاً، كما سُجل سقوط صاروخ آخر في حولون تسبب بأضرار مادية.
وبالاستناد إلى البيانات المتاحة يمكن القول إن عدد الضربات المباشرة التي وصلت إلى الأراضي الإسرائيلية خلال الفترة التي يغطيها التحقيق بقي أقل من عشر ضربات.
ماذا تكشف الأرقام؟
تكشف البيانات أن الحرب الصاروخية بين إيران وإسرائيل لم تكن مجرد مواجهة في عدد الصواريخ، بل اختباراً معقداً لقدرة كل طرف على إدارة تكنولوجيا الحرب تحت ضغط الوقت والاستنزاف.
ويقول الباحث في شؤون الشرق الأوسط في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية "IISS" إميل هوكايم إن هذه المواجهة "تُظهر أن الصراع لم يعد يعتمد فقط على عدد الصواريخ، بل على قدرة الدفاعات الجوية والإنذار المبكر على تقليل تأثيرها".
وبين الرشقة الأولى و"الموجة 32" تظهر معادلة مختلفة: مئات الصواريخ أُطلقت، لكن عدداً محدوداً فقط وصل إلى الأرض. غير أن هذه الأرقام تعكس أيضاً معركة استنزاف متبادلة بين الطرفين، يسعى فيها كل منهما إلى إنهاك قدرات الآخر بوتيرة أسرع.
ففي حين تراهن إسرائيل على استنزاف المخزون الصاروخي الإيراني واستهداف منصات الإطلاق المتحركة لتقليص القدرة على تنفيذ رشقات جديدة، تسعى إيران في المقابل إلى استنزاف منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية ومخزون صواريخ الاعتراض عبر تكرار الهجمات وإطلاق موجات متتالية من الصواريخ والمسيّرات.
وبهذا المعنى، قد لا تُحسم الحروب الصاروخية الحديثة بعدد المقذوفات التي تُطلق فقط، بل بقدرة كل طرف على إدارة معركة الاستنزاف: استنزاف منصات الإطلاق والمخزون الصاروخي من جهة، واستنزاف الدفاعات الجوية ومخزون الاعتراض من جهة أخرى، في سباق قد يحدد في النهاية من يستطيع الحفاظ على قدرته القتالية لفترة أطول.
المصدر: وكالات
2026-03-10 || 22:16