البابور.. وليد النكبة وضحية الازدهار
هل تذكر كيف كان طعم جلسات السمر لجدك وجدتك؟ أتريد أن تعرف؟ إذن اسأل جدتك التي ستجيبك عن طعم الحياة في كوب شاي أعدته على البابور، وسترجع بك لزمن البابور وحكاياته وستحدثك كم كان الطعام عليه لذيذاً.
يقول محيي الدين حشحوش، أحد آخر مصلحي البوابير في البلدة القديمة بنابلس، والذين لا يتجاوز عددهم اليوم الثلاثة: "مهنة تصليح البوابير كانت في السابق لا تقل عن أي مهنة أخرى وتوفر الحياة الكريمة لصاحبها، لكنها اليوم لا تسد ثانويات الحياة". ورث حشحوش هذه المهنة عن والده، ولا يزال يعمل بها منذ عام 1972.
"البابور كان آلة للطهي وتسخين مياه الاستحمام قبل أن تغرق أسواقنا بالأجهزة الحديثة" يقول حشحوش. وفعلاً، قبل أفران الغاز والكهرباء كان البابور أكثر أدوات الطهي تطوراً وأوسعها انتشاراً.
وصل البابور إلى فلسطين في أربعينات القرن الماضي، لكنه لم يكن يستخدم بشكل كبير حينها بسبب الفقر وتوافر الحطب والأخشاب واعتماد الناس في طهيهم واستعمالاتهم اليومية على النار.
والبابور بالنسبة لمن عايشوه هو صوته بالدرجة الأولى، فهذا الصوت موسيقى بالنسبة لبعضهم. وهو ذكريات كأس شاي الصباح على ناره. واليوم ما زال البعض يحتفظ بالبابور، لكنه أصبح أشبه بقطعة خردة منسية على السدّة.
وتقول فاطمة أحمد "نحتفظ بالبابور داخل البيت كتراث وليس للاستخدام، حيث يمثل لي ذكرى من والداي حينما أهدوني إياه مع أثاث المنزل عند زواجي". أما أم محمد فتقول: "إذا أردت أن أصلح البابور فهو لا يستحق ثمن تصليحه ولست بحاجة إلى ذلك بوجود الغاز والأفران". ويسمى من مهنته إصلاح البوابير: السمكري.
[caption id="attachment_26235" align="alignnone" width="1024"]

محيي الدين حشوش أحد مصلحي البوابير في البلدة القديمة[/caption]
اختفى البابور من المنازل منذ جيل وأكثر، لكن ظلت رومانسيته في نفوس من عايشوه. واليوم لا يعرف الكثيرون حتى شكله ومن هؤلاء ميس صالح، 21 عاماً: "أسمع بالبابور لكنني لا أعرف شكله".
وحتى محيي الدين حشحوش لا يمكنه اليوم العيش من مهنة السمكري، ويقول "اليوم لا أصلح البوابير وحدها، لأنها لم تعد تستخدم كثيراً، فاضطررت لتصليح أفران الغاز والصوبات والأراجيل"، ويتابع "لم أعلّم أولادي مهنة التصليح، لأنها لا تصلح في زماننا هذا".
الكاتبة: رحمة خالد
المحرر: عبد الرحمن عثمان
2015-03-14 || 11:12