إنو البنت تصوّر.. مش عيب
تخليت في حياتي عن كثير من الأمور التي أحببتها وتمنيت احترافها عندما أكبر، ابتداء من هواية الطفولة ركوب الدراجة وانتهاء بالتصوير. هوايات كثيرة كان من الممكن أن أمارسها بشكل طبيعي لو عشت في مجتمع -فلنقل- إنه "يتقبلها" من فتاة.
أعتقد أني عشت طفولة لا بأس بها: أيام اللعب في الحارة والمطاردات الطويلة وإثارة الشغب مع أولاد الجيران حفرت في ذاكرتي مكاناً قصياً ينأى عن الزوال. أما حياة اليوم، فهي حياة التعقيدات والتصنع وإجراء الحسابات المطولة قبل نطق الحرف.
بت أرمق رتابة يومي واصفراره لعدم وجود "مجال" لفعل ما أحبه وأراه صائبا، فلم أتصور يوما أن تصل بي الأمور إلى وقت أخجل فيه من التصوير! ليس هذا فحسب، بل إن إشهاري للكاميرا في السوق أو الشارع، قبل أن أهم بالتصوير هو أمر مستهجن ومثير للاستغراب ومدعاة لإسماعي سيل من التعليقات الفارغة.
كانت قد سمحت لي سذاجتي منذ أيام بالقيام بجولة تصوير وسط مدينة نابلس، كانت الفرحة تغمرني طوال الطريق وأنا أستذكر الأماكن والأشياء التي سأقصدها لتصويرها. رأسي كان مليئاً بالألوان، بالعصائر المثلجة الملونة في الشوارع، بعيون أطفال يطغى بريقها على فلاش الكاميرا، بعتاقة البلدة القديمة وسوق الخان، صور كثيرة كانت تنتظرني قبل أن يخيب ظني.
وصلت أخيرا. توقفت أمام محل يبيع عصائر مثلجة لفت انتباهي ألوانها، تغاضيت عن نظرات الاستغراب اتجاهي لأنني وقفت ولم أذكر طلبي بعد للبائع. بضع حسابات سريعة حسمها سؤال ساذج للشاب الذي ينتظر طلبي، قلت: "ممكن أصور العصير وإنت بتصبه؟" بدت علامات الاستغراب والرغبة بالضحك على الشاب، نظر إلى زميله ساخرا ثم أعاد النظر إلي ليجاوب أخيرا: "تفضلي". تخطيت ذاك السيناريو المتوقع وأخرجت كاميرتي من الحقيبة وبدأت بمعاينة الصورة.
هنا بدأ الجزء الثاني من الفيلم، تمنيت لو أنعم الله علي في تلك اللحظة بنعمة الطرش، كي لا أسمع ذلك السيل من النداءات السخيفة أمثال: "صوريني أنا" و"أجنبية كنها؟" فيرد آخر:"لا لا.. من هون شكلها". هل كان علي التحدث بالإنجليزية كي يتسنى لي التصوير دون أن أقترف هذه الجريمة؟! الحقيقة أنني جربتها عدة مرات وسمعت ذات التعليقات، ولكنني لم أكترث كوني "أجنبية" والكل يتوقع مني ويتقبل أن أصور في أماكن عامة، أما كوني فلسطينية، فهذا يعني أن تصوير المكان الذي أعيش فيه هو أمر سخيف ومضحك ولا يهدف إلا للفت الأنظار.
الكاتبة: سارة أبو الرب
المحرر: عبد الرحمن عثمان
*هذا المقال لا يعبّر بالضرورة عن رأي دوز
2014-08-23 || 10:08