طولكرم: بحث تحديات العمال وسبل تعزيز الحماية الاجتماعية
تجريف 200 دونم واقتلاع آلاف الأشجار شرق الخليل
صدمة في تل أبيب: إسرائيل تواجه صعوبة في فهم ترامب
الجيش يخطر بوقف العمل في 8 منازل في قرية الديرات
اعتقال شاب من طوباس
باكستان "متفائلة جدا" بشأن الوصول لاتفاق أمريكي إيراني "دائم"
فيديو.. اقتلاع أشجار زيتون شمال دير استيا
"وفا" تحصد جائزة صورة العام 2025 على موقع ويكيميديا
ميلوني تندد بصور إباحية لها مزيفة بالذكاء الاصطناعي
البراءة للفنان فضل شاكر
إخطارات بهدم 50 محلا تجاريا ومنشأة في العيزرية
أكسيوس: اتفاق وشيك بين واشنطن وطهران لإنهاء الحرب
روبيو يدعي عدم وجود مشكلة بين إسرائيل ولبنان
الجيش الإسرائيلي يتستر على بيانات تسريح آلاف الجنود لأسباب نفسية
إسرائيل تهاجم بلجيكا بعد توجيهها لوائح اتهام ضد 3 خاتنين يهود
القطاع: ارتقاء 72.619 مواطناً
أسعار الذهب والفضة
فيديو.. مستوطنون يحرقون غرفتين زراعيتين في كفر الديك
رام الله: القبض على مدير شركة سياحية مشتبه به بالنصب والاحتيال
- سيد سلقان! مؤكد أنك تعرف الإجراءات، بعد اجتياز مرحلة المراجعة والطعن التي تستمر لشهرين سيحدد لك موعد الريغوروزم.
- يا ڤوول (تماما)، بنبرة رضا.
أيقنت أن جملته الأخيرة جاءت لذييل نهاية للحديث ولن يتبعها سوى تحية الوداع، ووجدتني أملأ الهنيهات التي تتبع نهاية ردي عليه بانتظار كلمة الوداع من سيد المكان، ليصبح قيامي عن مقعدي طبيعيا دون أي استباق أو تأخير.
" لم يمض عليك وقت طويل في هذه البلاد" ! كان هذا ما نطق به لكني لم أسمعه جيدا؟ وليس هناك أي سبب أني لم أسمع ما قاله سوى أنني كنت مغلقا على احتمال واحد قرره سياق الحديث، وهو أن أسمع كلمة واحدة انتظرها : (آوف ڤيدرسين) وتعني إلى اللقاء.
أجبته بابتسامة خفيفة أنها كانت كافية لمعرفة اللغة الألمانية والتعرف إلى الحضارة والثقافة الغنية في هذا البلد، وبالطبع لإنجاز بحثي. وبدت شارة استغراب أخرى دلت عليها تعابير وجهه لكن سرعان ما أفصح عنها بالقول "هل تعني أنك اكتفيت ولا تفكر بالبقاء هنا؟". فهمت أن محدثي كان يشير إلى موضوع كان هو موضوع الساعة في ألمانيا إذ أعلنت الحكومة الفيدرالية عن تعديل قوانين الإقامة والهجرة للأجانب، وأصبح بإمكان الحاصلين على شهادات عليا وخريجي تخصصات الهندسة والمعلومات تحديداً الحصول على إقامات دائمة تنتهي بالحصول على جنسية بعد فترة قصيرة نسبياً.
سياسة الهجرة الألمانية
ومنذ الإعلان عن هذه السياسة الجديدة أخذت مكاتب شؤون الأجانب تعج بطلبات الراغبين في الإقامة في ألمانيا. وهذا ما يفسر استغراب الرجل، حيث مثلت السياسة الجديدة تحولاً جذرياً وكبيراً في تعاطي هذا البلد مع موضوع إقامات الأجانب، وبالطبع كان يتوقع أني أحد المتلقفين لهذه السياسة بشغف أسوة بما يرى ويسمع.
في الحقيقة، لم أكن أرغب بالإفصاح عن فلسفتي تجاه هذه الإشكالية، فقد كنت حانقاً على استماتة المقيمين العرب تحديداً إزاء الحصول على إقامات هناك بشتى الوسائل غالباً ما لا تخلو من تجرع مرارة الذل والإهانة، التي تجعلك تعيد التفكير مراراً فيما إذا كان الأمر يستحق فعلاً كل هذه العناء.
وكانت مناقشاتي مع مواطنيّ من العرب القادمين من مصر وتونس والمغرب والجزائر والسودان وليبيا وسوريا ولبنان والأردن وفلسطين واليمن، وبعضهم من المقيمين وآخرين طلبة جاءوا لإكمال تعليمهم هناك، غالباً ما تنطلق من فكرة قوامها، أن طلب الهجرة لا يعدو كونه حلاً شخصياً على حساب الحل العام لجميع مشاكل العرب والكدر الذي يعايشونه في بلدانهم، ومن العيب أن تعيش النخبة خارج عالمها وتتنصل منه ومن مسؤولياتها تجاهه، وفي المحصلة سيبقى أهلكم وجيرانكم وشعوبكم يتذوقون مرارة العيش هناك في أوطانهم.
وأحياناً، كان يعلو النقاش وأضطر لإسماع شركائي في الحديث تهكماً لاذعاً عندما أضطرني للقول أنه حتى الاحترام الذي تسعون للتمتع به عند سفركم بجوازات سفر أجنبية إنما يتضمن إهانة لشخوصكم وثقافتكم، لأنه احترام مشروط بحملكم جنسية أخرى وليس لشخوصكم لا كبشر ولا كعرب.
إضاعة الفرص؟
بالطبع لم تكن النقاشات المتكررة في هذا الموضوع تمر من دون كدر الاستماع لقصص طالبي الهجرة المحبطين والهاربين من الفقر والبطالة وانعدام الفرص، ولا من دون قشعريرة تستولي على مساماتك عندما تسمع قصص ملاحقة المخابرات العربية لأنفاس الناس وقصص السجون والتعذيب، كان من بين هؤلاء نشطاء شبابيون وسياسيون ومبدعون وعلماء وطلبة متفوقون، أحياناً كثيرة، كانت تبدو مواقفي غير واقعية لهؤلاء الذين كان وصولهم لأوروبا ليس حدثاً وإنما حلم حياة.
كان شفيعي الوحيد أن لا أُتهم بالمزايدة في تلك المناقشات هو معرفة الجميع أنني لم أتقدم بطلب إقامة دائمة برغم انطباق شروط سياسة الهجرة الجديدة علي، وللذين كانوا يعرفونني جيدا، كان الأمر هو استمرار لموقف سابق لي عندما كنت في الولايات المتحدة. وبرغم مرارة هذه التجربة التي مررت بها عقب رجوعي للوطن عام 1994 والتي غالباً ما كان أصدقائي يبرزونها نقطة في صالحهم للنقاش حول الوطن والمهجر، كان لسان حالهم يقول "أنظر ها أنت تكرر نفس الخطأ، تركت فرصتك الذهبية هناك وعدت لتدرس في جامعة النجاح، وبقيت هناك سنتين ولم يتم تثبيتك في وظيفة كاملة وبقيت محاضراً بدوام جزئي براتب لا يتعدى المئتي دينار! وماذا عن السلطة الفلسطينية هناك؟ هل قدرت نضالك وشهادتك وأعطتك منصباً لائقا؟".
إلا أنني كنت سرعان ما أفلت من فخاخهم بالقول، إنني لا أدعي أن العودة للوطن ستقابل حتماً باحترام مواطنيك أو مشغليك أو سلطتك، فبرغم المعاناة التي يزيدها وجود الاحتلال قسوةً ووجعاً يزيد تعقيداً ووطأة عن أي وضع موجود في المنطقة العربية، إلا أن الأمر يتعلق بالوطن، وهناك ستجد متسعاً لذاتك ولطموحاتك في إطار جماعي وستفرض نفسك وستكون صاحب رسالة.
في الواقع لم يكن موقفي الحقيقي بهذا الجلاء، كان مزيجاً من خطين أبيض تارة وأسود تارة أخرى، وبالمحصلة كان ملتبساً في داخلي، لكن موقفي في العلن كان يبدو غير ذلك، متماسكاً، حازماً، تطهرياً، وذا نزعة وطنية غلابة. ووجه الالتباس فيه يعود لصدمة السنتين اللتين قضيتهما في الوطن ما بين 1994-96، ومن هواجس كانت تنتابني بين الحين والآخر بأنه ليس ثمة ما يضمن عدم تكرار الصدمة عندما أعاود الكرّة مرة أخرى بعدما أنهي عملي في ألمانيا.
العودة إلى نابلس
في عام 1994، بعد التخرج من جامعة الينوي، حصل اثنان من الطلبة الأجانب في دفعتي على إقامات عمل، تتيح لحامليها العمل كأي أمريكي لمدة عام، وفي حالة رغبة مكان العمل ببقاء حامل الإقامة، يقومون بمنحه الكرت الأخضر، كرت الإقامة الدائمة الذي ينتهي بالحصول على الجنسية عادة، كنت واحدا من هؤلاء الاثنين، وكان ذلك امتيازاً يعطى من دون التقدم بأي طلب، كاستحقاق تلقائي للطلبة الأجانب ذوي التحصيل المتقدم. وكان الاستعمال الوحيد لهذا الكرت من جانبي هو أن أبرزته في مطار جون اف كينيدي عندما عدت لشيكاغو بزيارة قصيرة لحضور مراسيم تخرجي، كان ذلك بعد مضي خمس شهور على مغادرتي المدينة الزاهية متوجهاً للعمل بجامعة النجاح في نابلس.
كان سبب هروعي الهستيري للوطن والذي حال بيني وبين انتظاري حتى لمراسيم التخرج مستمداً من تسلط مشاعر ما برحت تراودني طوال الفترة التي قضيتها هناك، والتي تصيب حاملها فعلاً بمرض الحنين وتنظم وجدانه وتقيم في ضلوعه وتستولي عليه على نحو استثنائي، تطيح بكل ما ينتجه العقل خلافا لها، وتشيع كيمياءً خاصة تحيل أي خلايا تحاول الولوج للخيارات الأخرى، عبر حسابات المنطق والتفكير بلا انحياز، إلى الحياد.
كان قد مضى على وجودي بشيكاغو سنتين، كانتا كافيتين لأربي - على غير قصد - هذا الشعور المستبد المنحاز الذي لا ينظر إلا إلى الشرق. لم أكن أرى في المدينة المذرورة بالرياح الآتية من بحيرة ميتشيغان إلا محطة تجميل للمنفى بمعنى ً مجازي ما، وبرغم سحر هذه المدينة الأخاذ وجاذبيتها وتناقضها المثير، والصداقات المبعثرة التي حظيت بها، كان كل ما رأيته هناك من جمال وسهولة حياة وقوة اقتصاد ومستوى حياة مترف، كان قميناً بإشعال وطنيتي بدلاً من إخمادها، وتأجيج مشاعر الحنين لبلد وأناس لا تلبث أن تغادرهما حتى تنشط فيك ذاكرة منحازة باتجاه واحد، ذاكرة تنضح بالذكريات السعيدة وحسب، وتنسيك كل مآسيك وأوجاعك وأسباب خيباتك.
كنت أعجب لنفسي كلما كنت أخلد إليها محاولاً استدعاء العقل، وأسائلني "ترى، أنت تعرف أن الأمور هناك ليست على النحو الذي تدعيه عاطفتك، فما الذي ينسيك جميع الإحباطات التي حدت بك مسافراً على اعتقاد أنك لن تعود؟". لم يكن الجواب سهلاً بالطبع، وفي حالات الصفاء، أجدني ربما كنت رافضاً لفكرة التخلي عن مشروعي الحياتي الذي تكون هناك، والذي أودعت فيه أجمل توتراتي وأكثرها اتقاداً، وتجاوزت عند مفترقاته الحالكة واختباراته القاسية، وأحياناً كثيرة مطباته المرعبة، كل احتمال بالتحول أو التراجع!
ابن قضية
كيف يتحول، وهل يملك ذلك أصلاً، ابن مخيم عرف منذ أن وعى على هذه الدنيا، أن له قضية وقد تعاقد معها على ألا يحلم في منطقة هواه؟ من أبناء النكبة وقد استمع لرواية أبيه وأمه وجده وجدته وأقاربه وجيرانه الذين يسكنون في الخيام المجاورة أو في إحدى وحدات السكن المؤقتة التي أقامتها وكالة الغوث فيما بعد وصارت مخيمات للاجئين، وهل من فكاك شخصي من القصص المحكية عن النكبة والتهجير والمجازر والتغريبة الفلسطينية التي لو قيلت لحجر لتفطر.
وكيف لا تفعل فعلها فيه، وتوسم قلبه وجوارحه وتلافيف حواسه وتسيطر على فكره وحلمه وطريقة حياته وتصيغ صداقاته وعداواته وهواياته ورسالته في الحياة؛ وقد قرر بكل ما أوتي من عقل وإدراك وعواطف إنسانية متقدة، أنه ابن قضية ولا يجوز له تحت أي ظرف أن يتبع أي نزعة أو نزوة تأخذه إلى غير مكان أو غير ضالة، غير تلك التي تعاقد فيها مع أبيه المكلوم، أو أمه التي حرمت دلال النساء، أو جده الذي حطمت عصابات الهاغناه كل أعماله وأحلامه وعزه وسرقت أرضه وتعبه وخيراته ليصبح لاجئا ينتظر دوره مع المئات ليأخذ حصته وحصة أبنائه وأحفاده من صياع الطحين والأرز والسمن القميء، وكيف ينسى هذا أنه ابن هؤلاء ووريث هؤلاء إذا أراد أن يحتفظ برجولته أو معناه الإنساني!
كنت مغلقاً على معنى واحد يتكبده كل من هو مثلي في حالة الإفلات من هذا العقد، وهو توسل الحل الشخصي الذي يعطى لك مقابل إقناع نفسك أنك لا تتحلل من عقدك في حين أنك تعرف تماماً أنك قد غدوت في منطقة أخرى. المفارقة غير المتوقعة، كانت سنوات السجن والاعتقال العديدة، برغم قسوتها، لكنها أحدثت في شخصيتي علامات أبدية، يبدو أنها ساعدتني على حسم أمري.
أجبت على سؤال العميد باعتدال يعفيني من الإفصاح عن قناعاتي، وقلت "يتعين علي استكمال مساعي هناك في البحث عن تطبيقات لما توصلت إليه في بحثي، ولا أدري كيف ستتطور الأمور".
- يتبع -
الكاتب: جمال سلقان
المحرر: عبد الرحمن عثمان