الطابون الفلسطيني هوية وطن
الطابون...حكاية الماضي الجميل ......... تحقيق: فرح ملحم بين غياب الحطب وغلاء الوقود يبقى رغيف الخبز سيد المائدة الأول، ومع أن الطلب عليه يزداد من الأفران والمخابز المنتشرة، إلا أن بعض القرى والأرياف الفلسطينية تفضل خبز الطابون وخبز الحطب، وتنشدّ إليه ليس لنكهته ومذاقه وطعمه الطيب فحسب وإنما لبركته حين يخرج طازجاً وصحياً وخالياً من المواد الكيميائية. يعد الطابون من التراث العربي الفلسطيني الذي كاد أن ينقرض كلياً من قرانا الفلسطينية في زمن لا يعرف أغلب الناس ما هو الطابون، قديماً كان يُستخدم في صنع الخبز والطعام في آنٍ واحد، اليوم أصبحت القرية الفلسطينية تفتقر إلى الطوابين مع أن لها أثر سلبي على حياة الإنسان خاصة المرأة، ويخاف الناس أن يعيشوا يوماً لا يرون فيه طابوناً واحداً في الريف الفلسطيني، وللأسف إذا حل هذا اليوم سيكون الاحتلال وصل إلى غايته وهي طمس التراث الفلسطيني بانتهاء عهد الطابون ................ صناعة وهيكلة الطابون تطلق كلمة "الطابون" على الغرفة التي تحتوي على الموقد، وهي غرفة صغيرة بحجم "بيت الجاج"، سقفها منخفض ومدخلها صغير للمحافظة على الحرارة في الداخل، وكذلك تطلق الكلمة على الموقد نفسه، والذي يدعى أيضا "بيت الخبز" أو "بيت العيش". الطابون مدفون في الأرض، وهو مصنوع من الطين الأصفر المخلوط بالقش، والفتحة في الوسط بقطر 40- 50 سم، وغطاء الفتحة من الحديد ويدعى "صْـمامة الطابون"، قاع الطابون مغطى بحجارة سوداء صغيرة ومستديرة ومنفصلة عن بعض، وتدعى "الرضـف". 765 ألف سائحاً إلى أين يذهبون بلغ عدد السياح خلال عام 2015 حوالي 765 ألف سائحاً، جاء ذلك خلال إحصائية قُدِّمت من شرطة السياحة والآثار. عدّ موظف في وزارة السياحة والآثار عمر عزام الأماكن السياحية التي يذهبون إليها خلال رحلتهم السياحية وهي: مدرسة فاطمة خاتون والجامع الكبير والسيباط والتذكار الألماني ومسرح الحرية وكنيسة برقين وقصور عبد الهادي ونفق بلعمة وقرية حداد. خبز الطابون في الذاكرة قد اختفى الطابون من الكثير من المراكز السكنية في فلسطين، فقد بات يقتصر على عدد قليل من القرى الفلسطينية، ويعد أحد أسباب هذا التراجع التقدم التكنولوجي الذي شهدته الحياة بشكل عام، غير أن هذا التقدم لم يحذف خبز الطابون من قاموس الشباب الفلسطيني. أم محمد ربة منزل سيدة تعيل زوجها في السهل ومع كل هذا التعب تصر على إشعال الطابون وتخبز الخبز عليه وفي بعض الأحيان تجهز طبختها (صينية طعام) فيه، بالنسبة لها الطابون تراث وهي تربت عليه منذ كان عمرها 6 سنوات وهي تذهب إليه مع جدتها، فكانت هي ضد فكرة هدمه تماماً. وعندما سألناها هل سينقرض الطابون فكانت إجابتها كالآتي:" رح يختفي لما إحنا نموت ونروح عن هالدنيا لأنه ما في حدا من جيل اليوم بعرف يستعمله وبنقدر نركن عليه يخبز أو يشغل الطابون أصلاً". قال أبو علي صاحب محل تراث في جنين:" لا زال هناك بعض القرى يتمسكون في الطابون لكن النسبة قليلة وبسيطة للأسف". عبر دجانة أبو الرب طالبٌ في قسم اللغة العربية والإعلام في الجامعة العربية الأمريكية عن تجربته في خبز الطابون:" الأشياء (المأكولات) التي يتم طهيها في الطابون تأتي لذيذة جداً". ووضح صلاح ولد علي طالب في القسم نفسه:" إحنا بنحب السرعة والتكنولوجيا وبالتالي حتى خبز الطابون بطل حدا يوكله، كلنا بنوكل وجبات سريعة بس لحتى نمشي هالوضع". يشير محمد أبو بكر في القسم ذاته:" إن الطابون من تراثنا وما زالت إلى الآن الكثير من البيوت التي تمكث في القرى والمناطق البعيدة تستعمله كنوع من ثقافة شعب عاش عليه". وأضاف:" أعتقد أن الطابون قد انقرض بعد ابتكار المخابز الآلية، وحتى حينما احتاج الناس لخبز الطابون، عملت بعض المخابز على توفيرها بقمح تجاري، وطبعاً الطابون زمان كان من مستلزمات البيت". قال مسؤول في مركز زوار جنين عزام سلامة:" إن أي عمل يدوي نتوارثه عن الأجداد هو تراث وهوية للشعب". وأضاف:" نحن نقدم للسائح أو الزائر برنامج للزيارة وإن كان له طلب بزيارة طابون يوضع ذلك ضمن البرنامج، ولكن هو ليس ضمن الأولوية". وتابع:" أسباب الانقراض تكون سياسية مثل سرقة الثوب الفلسطيني من قبل مضيفات الطائرات في إسرائيل أو اعتبار الفلافل والحمص أكلات شعبية لهم، أما فيما يخص الطابون فهذا لا نسميه انقراض وإنما الناس أصبحوا يبحثون عن حياة أسهل وأقل ضرر للبيئة". الخبازون يمجدون خبز الطابون "خبز الطابون أزكى وصحي أكثر وبستوي أحسن وبسرعة" بهذه الكلمات عبر صاحب مخبز الشمال للطابون عن خبز الطابون الذي يُعَد بالمقارنة مع الخبز الجاهز في المخابز الآلية. عندما أجرينا مقابلة مع رجل كبير بالسن يدعى أبو إبراهيم عن الطابون وما الفرق بين الآن والماضي فقد أشار إلى الآتي:" إحنا كان عنا طابون عند دار أهلي وبقت أمي تخبز عليه خبز بشهي، بس لما تزوجت وسافرت برا للشغل بطلت أحس بهاي النعمة". وتابع قائلاً:" هس رجعت للبلاد بس فش طابون ولا في خبز الطابون تاع زمان، أمي الله يرحمها راحت وإلي ضلن ما بعرفن يستعملنه"، وأنهى كلامه بجملة الطابون هو تراث وطني. وعندما ذهبنا إلى مركز الشرطة لمعرفة سبب هدم الطابون وعدم وجود رقابة عليه كانت الحجة أنه ملك شخصي ويحق لصاحبه التصرف به كما يشاء هو، دون أي رقابة أو إجراء عقوبات ضد الفاعل. إن الطابون الفلسطيني التراثي هو منهاجٌ أسسته الجدّات وتناقلته الأجيال، لينتج أشهى ما صُنع، بنكهةٍ خاصة جداً، عبر وسائل تقليدية بدائية، وعلى الرغم من التناقص التدريجي في إعداد الطوابين المنتشرة في الريف الفلسطيني، إلا أن الطابون يبقى بمثابة البصمة الدامغة التي تدلّ على عشق الأرض والارتباط الوثيق بثراها، والانتماء لتربةٍ شديدة الارتباط بأجساد ناسها، على مرّ العصور. في النهاية يبقى هناك بعض الأسئلة بانتظار إيجاد إجابة لها، لماذا الطابون ينقرض شيئاً فشيئاً؟! لماذا يتم هدمه بدون رقابة؟! إلى متى ستبقى الشرطة مهملة هذا النوع من التراث الذي ينقرض بسبب أبناء الشعب وليس بسبب قوات الاحتلال؟!
2016-06-05 || 00:00