"إذا مش داري.. اعتقال إداري"
إذا مش داري “الاعتقال الإداري” مأخوذ من قانون الطوارئ البريطاني عام 45، والذي تم إلغاؤه عام 48. ملف سري يمنع الأسير والمحامي من الاطلاع عليه، يبيح التمديد من شهر إلى ستة أشهر وقد يستمر لسنوات متواصلة حسب مزاجية مخابرات الاحتلال.
عام 2004 كنتُ في السابعة عشرة من عمري، وبحسب ما كان يقول لي بعض الأسرى كنت أصغر أسيرٍ إداريٍ، لكني لم استبعد وجود معتقلين آخرين أصغر مني سناً، فالاحتلال كان يحتجز أطفالا في الثالثة والرابعة عشرة من عمرهم في مركز توقيف “بنيامين -عوفر” في خيمة مهملة خصصت لمن هم دون سن الثامنة عشرة. وكان يفصل بينها وبين خيمتي الكبار سياج من حديد، ولحسن حظي دخلت أقسام الكبار بسبب قرار التوقيف الإداري الذي صدر بحقي.
استلمت القرار بتوقيفي أربعة أشهر في مركز توقيف “حوارة”. ويحتاج القرار بعد ذلك إلى تثبيت من محكمة الإداري، وكانت هناك محكمة في سجن “عوفر”، وأخرى في سجن “النقب”، لذلك نقلت إلى “عوفر”، وبعد تثبيت التوقيف نقلت إلى “النقب” في الأقسام المخصصة للأسرى الإداريين.
وقفات وتمديدات
أول وقفة احتجاجية شاركت فيها ضد الاعتقال الإداري كانت عام 2005 في أقسام الإداري القديمة “الأقفاص” في سجن النقب الصحراوي. يومها قرر أسرى قسمنا والقسم المجاور -عندما اجتمعنا في قسم واحد للتفتيش- تنظيم وقفة احتجاجية ضد الاعتقال الإداري. تجمهرنا في الساحة وصرخنا عالياً: “يا تشموع وكاتسينيم لاما نحن مانهليم"، أي "يا ضباط ويا جنود ليش إحنا إداري".
وقبل انتهاء الفترة الأولى بأيام وصلتني ورقة صغيرة مكتوب عليها قرار تمديد لأربعة أشهر أخرى. كان الأمر عادياً بالنسبة لي، فزملائي في الخيمة على هذا الحال منذ سنوات. لم نبق كثيراً في “الأقفاص”، فكانت أقسام الإداري الجديدة على وشك الانتهاء، والتي أطلق عليها الأسرى اسم “البيارة” بسب علو أسوارها الإسمنتية.
قسوة الإداري
كان عدد الأسرى الإداريين وقتها يقارب الألف أسير، ولكل منهم قصة ومعاناة، فمنهم من قضى أربع سنوات وأكثر، ومنهم من يتعرض لهذه التجربة باستمرار. فلا يوجد أصعب من هذا الموقف على الأسير، لأنه لا يعلم متى ستنتهي هذه الدوامة. فالغالبية يأتيهم قرار التمديد قبل انتهاء فترتهم بأيام، والبعض يأتيهم قبل ساعات، وهناك من وصله القرار عند باب السجن بعد توديع زملائه والخروج من باب القسم، وهناك حالات نادرة تم التمديد لهم وهم في طريق العودة إلى بيوتهم.
الإداري اعتقال تعسفي بحق الأسير، لأنه يأتي دون تهمة موجهة بناءً على ملف سري لا يستطيع المتهم ولا المحامي الاطلاع عليه، فهو يكون مبنياً على تقارير متعاونين مع الاحتلال، وإعلان معلومات يعرضهم للخطر. وتبرر أحكام الإداري في جلسات التثبيت والاستئناف بعناوين منها: “خطر على أمن المنطقة، خطر على الجمهور، ناشط عسكري… الخ.”
تعود أصول الاعتقال الإداري إلى زمن الانتداب البريطاني عام 1945 عندما فرضت حالة الطوارئ، وهو قانون ألغته بريطانيا عام 1948 ولكن الاحتلال الإسرائيلي يواصل العمل به رغم مخالفته للقانون الدولي. وهذا ما دفع الأسرى الإداريين إلى الدخول في إضرابات مفتوحة عن الطعام لإنهاء ملف الاعتقال الإداري، وهذا ما حدث قبل صفقة الجندي الإسرائيلي شاليط، وتم إنهاء الإضراب مع وعود بعدم تمديد أي قرار إداري، لكن مخابرات الاحتلال لم تلتزم به .
قضيت ثمانية أشهر في الاعتقال الإداري، وخرجت بعدها لمدة ثلاثة أشهر لأعود من جديد بحكم لمدة سنتين. وعدت بعد جولة طويلة في سجون مختلفة من الشمال إلى الجنوب للقسم الذي كنت فيه، وكان ما يزال هناك بعض المعتقلين الإداريين الذين شهدتهم قبل عامين.
الكاتب: علي حنني
المحرر: عبد الرحمن عثمان
2014-05-13 || 12:10