ماذا يتعلم الفلسطينيون في مدارس السلام؟
ينقسم الشارع الفلسطيني حول ما يعرف بمشاريع "مدارس السلام"، والتي انتشرت في الآونة الأخيرة ويشارك فيها طلاب فلسطينيون وإسرائيليون. حيث يتم استقدامهم إلى الولايات المتحدة أو إحدى الدول الأوروبية ويقيمون في مخيمات أو بيوت عائلات من البلاد التي يسافرون إليها.
تعددت الآراء في مسألة المشاركة في مدارس السلام، فالبعض يعتبرها إحدى أشكال التطبيع مع الإسرائيليين. معللين موقفهم بأن هذه المنظمات معنية باستقطاب الفلسطينيين لتغسل أدمغتهم ولتجعلها أكثر تقبلاً للوجود الإسرائيلي. بينما يعتبرها البعض الآخر فرصة لعرض قضية فلسطين ومعرفة المزيد عن الأفكار المغروسة في الإسرائيليين.
التجربة الأولى بتقلب المخ
"المرة الأولى قلبتلي مخي!"، هكذا بدأت إحدى الفتيات اللواتي شاركن في مشروع "أيادي السلام" -لدورتين متتاليتين- حديثها عن تجربتها التي خاضتها في الولايات المتحدة. فقد وقعت الفتاة، ذات الستة عشر ربيعاً آنذاك، في شِباك الحيرة والصدمة، وذلك حين بدأت بالتعامل مع الطلبة الإسرائيليين على أنهم "بشر مثلنا" بدلاً من الصورة التي تشاهدها دائماً لهم وهم يقفون على الحواجز حاملين الأسلحة متفننين في عرقلة أمور الفلسطينيين.
عرّف لي السلام لو سمحت
وبالرغم من رفضها لتكوين صداقات مع الإسرائيليين في السنة الأولى، وتشددها على عدم الخوض في أي نقاش بعيد عن فلسطين والسياسة، إلا أنها وفي السنة الثانية شعرت بتغير رؤيتها للأمور. قالت: "في السنة الأولى كنت أسمع لأرد، بس في السنة الثانية كنت أسمع لأسمع". وأضافت: "بالرغم من وجود طلاب يحملون أيديولوجيات صهيونية بحتة، إلا أن عدداً لا يغفل عنه ينادي بوجوب قيام السلام".
وهنا تأتي إشكالية تعريف السلام من وجهة نظر الفلسطيني أو الإسرائيلي، فهل هو السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين تحت سيادة دولة واحدة اسمها فلسطين؟ أم هو السلام بين دولة فلسطين ودولة إسرائيل؟ قالت الفتاة وهي تدني كرسيها مني وتفتح عينيها على اتساعهما: "أنا ما بعرف شو الحل، بس برأيي يمكننا العيش سوياً دون وجود قومية دينية باختلاف نوعها، لأن إسرائيل دولة قائمة على التطرف للقومية اليهودية، لذلك يرفضون إعطاء الجنسية الإسرائيلية لأي وافد غير يهودي. بالإضافة لمحاولاتهم الدائمة لتطفيش عرب الداخل".
هل تغسل أدمغة الفلسطينيين في مدارس السلام؟
بالرغم من التأثير السلبي لبرامج السلام على العديد من الطلاب الفلسطينيين، إذ يعودون بأفكار مغايرة تماماً لما عرفه الفلسطينيون على مدى عقود، إلا أن الفتاة ذات الشعر الأسود مقتصد الطول قالت: "إذا الواحد ما كان واثق من معتقداته وكل شي بآمن فيه، وقتها هو ما يطلع، لأن الخطأ منه". وتؤكد أن معتقداتها لم ولن تتبدل، إلا أن طريقة فهمها للغير وأسلوبها في النقاش وقدرتها على الحوار المنطقي قد تحسنت وتغيرت.
ومن جانب آخر، لأي مدى يتأثر الإسرائيلي بما يحاول الفلسطيني إيصاله أثناء الحوارات التي تقام في برامج السلام؟ ارتسمت على شفتيها ابتسامة وأجابت: "في آخر أيام البرنامج، لعبنا لعبة وهي أن نقوم بالإمساك بكل شخص أثر فينا، وفوجئت بعدد الأشخاص الذين قاموا بإمساكي. كانوا دائماً يستمعون لي بإصغاء حين يحين دوري في الحوار. وكانوا دائماً يخبرونني أنني أثرت فيهم بشكل كبير وأنني جعلت العديد منهم يعيدون النظر في الكثير من الأمور، سواء من الفلسطينيين أم من الإسرائيليين. لطالما أحببت هذا الأمر"
وفي محاولة للحصول على وجهات نظر متباينة، تحدث دوز إلى إحدى طالبات جامعة النجاح والتي شاركت مرة في أيادي السلام، ثم امتنعت عن الاستمرار فيه في السنة التالية. ولكنها لم تبد أيضاً نقمتها على هذه التجربة ككل، لأنها تعلمت كيف تكون الطرف القوي بدلاً من شغل دور الضحية دائماً.
وعند سؤالها عن سبب عدم استمرارها في البرنامج قالت: "لم أترك أيادي السلام لعدم توافقي مع فكرته إطلاقاً. أعتقد أنني مثلت وطني فلسطين بالشكل الصحيح ولم تتغير أفكاري، بل كنت أنا الطرف الأقوى الذي باستطاعته التأثير على غيره، وذلك طبعاً لأنني ابنة أسير فلسطيني وأعلم مدى قسوة أن يأخذ الاحتلال منك والدك".
في النهاية أجمعت الفتاتان على أنه "باستطاعتك الاستفادة من كل نشاط إذا وضعت هدفاً واضحاً أمامك، وأن لا تلعب دور الضحية وتؤمن بعدالة قضيتك وقوة موقفك". فهذه النشاطات أكسبتهن القدرة على تحمل المسؤولية، وأكدت لهن ضرورة المعرفة بكل تفاصيل التاريخ الفلسطيني والصهيوني، حتى يعلم الاحتلال أنه يوجد في فلسطين شباب يدركون حقيقة ما يحصل، ويعرفون عن قضيتهم أكثر مما يتوقع منهم في ظل محاولات تخدير الشباب وتضليلهم.
الكاتب: سارة أبو الرب
المحرر: إيهاب زواتي
2014-05-03 || 11:09