وفاء لمن علمني حروف الإبداع
كانت أمسية عاطفية ومؤثرة جداً، في قاعة سينما سيتي في نابلس، حين بكى كثيرون أثناء تكريم شخصيات المدينة لأساتذتهم ضمن مبادرة "وفاء لمن علمني حروف الإبداع". تيسير نصر الله يكتب عن هذه التجربة وعن سبب اختياره الأستاذ الذي علمه اللغة العربية لتكريمه.
أسعفني الحظ وأسعدني، عندما تم اختياري من قبل اللجنة المنظمة لمبادرة تكريم المعلمين في نابلس تحت عنوان: "وفاء لمن علمني حروف الإبداع"، لأقوم بدوري باختيار أحد المربين الأفاضل ممن كان له فضل عليّ أثناء دراستي ومشواري العلمي. ولأنني لا أدّعي أنني مبدع، فقد احترت في أمر هذه المبادرة، رغم أنني أدرك تماما صدق نوايا القائمين عليها، فلي معهم تجارب رائعة ومهمة، ولكن أن تختار بعد هذا العمر، ومرور كل هذه السنين أحد المعلمين الذين تركوا بصمة في مسيرتك العلمية والعملية و"الإبداعية"، إن وجدت طبعا؛ فهذا شيئ ليس بالأمر السهل، فهناك الكثير من الأشخاص الذين مروا في مسيرة حياتي وتركوا أثرا إيجابيا فيها. وبالتأكيد سيكون للوالدين نصيب الأسد، فهما أول من كتب حرفاً في صفحة حياتي البيضاء، ويأتي بعد ذلك المربون الأوائل الأساتذة الكرام، عمالقة التربية والتعليم والأخلاق الحميدة.
إنهم من ساهموا في التنشئة الحسنة والطيبة وكتبوا بحروف من ذهب على دفاتر أيامنا الماضية ونقشوا بأصابعهم معاني الوفاء لمن علمني حرفاً، فكانوا بمثابة القادة لنا، ينيرون لنا الطريق بمصابيح علمهم ونورهم. إنهم رسل الحقيقة والعلم والمعرفة.
الجزء الأكبر منهم توفاه الله، وقلة هم من بقوا على قيد الحياة، أطال الله في أعمارهم وأمدّهم بصحة من عنده وعافية. وعندما أختار واحداً منهم، فإنني أُكرّمهم جميعهم، وكم تمنيت لو كانوا معنا كلهم في هذه القاعة المزدحمة بالدفء والحنان والهيبة والوفاء والذكريات.
إنّ اختياري لأستاذي الفاضل خليل أبو شميس، الذي علّمني اللغة العربية في الصفوف الابتدائية في مدرسة ذكور مخيم بلاطة هو بمثابة اختيار لكل أولئك الذين علموني أول دروس الحياة، ولكن حبي للغة العربية وعشقي لها هو سبب مهم لهذا الاختيار، فالسياسي يحتاج اللغة العربية أثناء الحديث أو الخطابة أو الكتابة، كما يحتاجها الإعلامي والصحفي.
إنه أستاذي الأنيق والهادئ والجميل خليل أبو شميس، هذا المربي الذي أكنّ له ولجيله من العمالقة كل مودة واحترام، فهم من أخذوا على عاتقهم المسؤولية في تنشئة جيل النكبة وتعليمهم في الخيام، عندما كانت المدرسة عبارة عن خيمة.
علمونا أن العلم سلاحنا الأمضى والأقوى لمواجهة نائبات الزمان. فكان ما كان، رجال أشداء برزوا في كل شيء، في عالم النضال والعلم والثقافة والاقتصاد والفن والموسيقى.
شكراً لهم، شكراً على هذا الوفاء، شكراً للقائمين على المبادرة، شكراً للحضور الذين شعروا بالفخر والكبرياء وهم يقومون بتوثيق هذه اللحظات الخالدة في سجل الزمن. إنها نابلس تحتضن مبدعيها في أمسية مؤثرة لن تنسى، إنه البكاء والفرح في آن معا، إنه الوفاء لمن يستحق الوفاء.
الكاتب: تيسير نصر الله
المحرر: عبد الرحمن عثمان
*هذا المقال لا يعبر بالضرورة عن رأي دوز
2015-10-29 || 09:50