التيه من نابلس إلى جنين.. يا وزارة المواصلات أرشدينا
المسافر على الطرق في الضفة يشاهد عشرات اللافتات بأسماء المستوطنات، في حين يمر عن قرى وبلدات فلسطينية ولا يجد لافتة تشير إلى اسمها، مما قد يؤدي إلى ضياع المسافر. سارة أبو الرب كتبت ما حدث معها في طريقها إلى جنين.
بعد يوم طويل وشاق، أعتقد بأنني قادرة على تقديم نصيحة واحدة لكم: "لا تخرجوا من حدود منطقة سكنكم بعد غروب الشمس مهما كنتم مضطرين لذلك، والسبب هو أنكم لن تتمكنوا من العودة".
زرت اليوم مستشفى النجاح الجامعي للضرورة، وخيم المساء قبل أن أنهي ما أتيت ووالدي لأجله. والدي وأنا واثقان من حفظنا لطريق العودة إلى مدينتنا جنين. وعملنا بالنصيحة التي تقول: "اسلكوا طريق عصيرة الشمالية لأنها أأمن من طريق دير شرف ثم (شافي شمرون)".
وما لبثت أن تحركت بنا السيارة من أمام المستشفى باتجاه طريق عصيرة، حتى وجدنا أنفسنا في طرق معتمة لا يأهلها أحد ولا تمر منها مركبات. في البداية ظننا أننا نسير في الطريق الصحيحة، لكننا لا نميز ذلك بسبب الظلام، ثم تأكدنا من أننا بدأنا بالـ "تيه" حينما وجدنا الشارع خاليا من المركبات والمواطنين سوانا.
بعد بضع "لفات"، وجدنا أخيراً شاباً، فسأله والدي كيف نصل إلى قرية جبع؟ فأجاب: امشي دوز دغري بعدين اطلع الطلعة وعلى اليمين. اطمأنينا وشعرنا بأننا اهتدينا إلى الطريق أخيراً. وبالفعل مشينا "دوز دغري"، لنصل مرة أخرى إلى منطقة شديدة الظلام متعددة التفرعات، بحيث لا يمكنك تمييز أي "يمين" عليك سلوكها. وهنا بدأت مرحلة التجربة والخطأ، فكلما قصدنا تفرعاً أوصلنا في نهايته إلى حافة جبل أو طريق مغلقة، ثم مرة أخرى نجد أنفسنا في طرق زراعية لا نعرف نهايتها، وكل ذلك بمحض الصدفة، إذ لا يوجد إنارة شارع واحدة لكي ترى إلى أين سيلقي بك حظك.
لا أعرف بالضبط كيف خرجنا من تلك المتاهة، ولكنني أذكر أننا رأينا أضواء سيارات على بعد بضعة كيلومترات، ووصلنا إليها أيضا بمحض الصدفة دون أن نتأكد من كونها سيارات عربية أم إسرائيلية. وحين وصلنا هذا الشارع بدأنا بمحاولة الوصول إلى أي منطقة معروفة لدينا، وكان اعتمادنا الوحيد هو لون لوحات السيارات، إذ خشينا من أن نصل لطرق مستوطنات.
"بلاد ضايعة"
وصلنا أخيرا منطقة مأهولة بالسكان، وعندما وجدت على جانب الطريق مصنعا للبلاستيك قلت لوالدي إننا في الطريق الصحيحة لأنني أذكر مروري بمحاذاة هذا المصنع كلما سلكنا طريق جبع. لم يأخذ والدي كلامي على محمل الجد، وكان محقاً في ذلك. كان هدفنا أن نعرف أين نحن فقط، ولكننا لم نجد أي لافتة تدل على ذلك. حاولنا إيقاف السائقين لسؤالهم، إلا أنهم لم يتوقفوا، وهو ما توقعته أنا منذ البداية بسبب الخوف من قطع المستوطنين الطرق على الفلسطينيين (ربما لو كنت مكانهم لفعلت نفس الشيء).
استجاب لنا أخيراً أحد السائقين، وبعد مرور بضع دقائق عاد والدي يشتم "البلد" وسوء تنظيمها، وقال: "بلاد ضايعة. إحنا ببيت إمرين". فجعني ذلك أنا أيضا، فكيف نسير من نفس مدينة نابلس حتى قرية بيت إمرين دون أن نرى لافتة واحدة تدلنا على ذلك؟! كان علينا العودة من نفس الطريق التي سلكناها لنصل جبع، وأثناء عودتنا حالفنا الحظ بقراءة أول لافتة تدلنا على الطريق، الحقيقة أنها كانت لافتة لأحد مشاريع اليو إس إيد (USAID)، وهو مشروع تعبيد طريق "ياصيد - جبع"، ياللمهزلة! هذه الطريق أيضاً حالها ليس أفضل، فلا تكاد ترى أبعد مما تكشفه إنارة مركبتك.
وحتى في تلك الطريق التي لا تفرعات فيها، شككنا في مكاننا وفي صحة ما قاله لنا ذلك السائق بسبب شدة الظلام وعدم مرور مركبات. تمكنا أخيراً من اجتياز هذه الطريق لنطمئن بوصولنا إلى قرية جبع بالفعل.
أستغرب فعلاً هذا الإهمال من وزارة المواصلات، ففي الوضع الطبيعي من المهم جدا التدليل على الطرق وأسماء المناطق الفلسطينية، بدلاً من أن يغرس الاحتلال لافتات تشير إلى مستوطناته، التي بتنا نستخدمها في وصف الطرق من منطقة لأخرى، فكيف تهمل الوزارة ذلك ونحن في هذا المخاض والتماس الدائم مع المستوطنين والاحتلال واعتداءاتهم؟!
المهم الآن.. اكتشفت قرية جديدة تابعة لجنين بعد هذه الرحلة، واسمها "جربا". وهذا جميل.
الكاتبة: سارة أبو الرب
المحرر: عبد الرحمن عثمان
*هذا المقال لا يعبر بالضرورة عن رأي دوز
2015-11-05 || 22:23