الصحفيون الفلسطينيون تحت فوهة السلاح
رغم المواثيق الدولية التي تحمي الصحفي وتضمن له ممارسة مهنته في حالات السلم والحرب، إلا أن عشرات الصحفيين يسقطون سنويا أثناء العمل أو يتعرضون للاعتقال والتضييق عليهم. الصحفيون الفلسطينيون خير مثال على ذلك بمن فيهم صحفيون من نابلس.
في صباح جمعة خريفية يستيقظ بعد الفجر بقليل، يجهز معداته وينطلق محاطاً بدعوات والدته. تلف جسمه النحيل ملابس واقية من الرصاص وخوذة لحماية الفكرة. يذهب لتوثيق الحقيقة والخبر، ليعود خبراً تتداوله وسائل الإعلام حاملاً رصاصة مستقرة بالساق، هكذا كان يوم أحمد.
"ذهبت لتغطية المواجهات الأسبوعية في قرية كفر قدوم، كانت الشوارع خالية إلا من الحجر والرصاص. وفي لحظة مباغتة كانت مهنتي هدفاً سهلاً، فاستهدفتني رصاصة استقرت في فخذي الأيمن وسقطت بين أيدي زملائي، ثم نُقلت مباشرة إلى مستشفى رفيديا لتلقي العلاج"، هكذا بدأ المصور الصحفي أحمد طلعت حسن كلامه.
وأكمل حديثه: "هذه المرة لم تكن الأولى من نوعها، فدائماً تحاول قوات الاحتلال الإسرائيلي استهداف الصحفيين أثناء المواجهات، كما يشتموننا بالكثير من الألفاظ المسيئة ويحاولون جل جهدهم منعنا من التغطية الإخبارية، ونحن بدورنا نتصدى لهم قدر المستطاع".
الاعتداءات على الإعلاميين ليست ظاهرة حديثة، فالاحتلال يعلم مدى تأثير الصورة الصحفية على الرأي العام، ويحاول جاهداً منعها من الوصول إلى المواطنين. وبحسب ما رصده ووثقه المركز الفلسطيني للتنمية والحريات الإعلامية "مدى"، فإن قوات الاحتلال قتلت 22 صحفياً خلال الأعوام العشرة الماضية.

ورغم المواثيق الدولية الخاصة بحماية الصحفي وقت السلم والحرب كما ينص القانون الدولي الإنساني (المادة 79)، ودراسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر عن القواعد العرفية للقانون الدولي الإنساني عام 2005 (المادة 34) من الفصل العاشر، وقرار رقم 1738 لمجلس الأمن الدولي، إلا أن إسرائيل لم تلتزم بأي منها.
في العدوان الأخير على قطاع غزة نشر الصحفي ياسر أبو الهين تقريراً يصف فيه مقتل ابن أخيه الصحفي عبد الرحمن أبو الهين، الذي أفنى عمره بإعداد البرامج الإخبارية لقناة الكتاب، بعد أن أطلقت طائرة F16 صاروخين على منزله دون سابق إنذار، فقُتل هو واثنان آخران من عائلته.
وفي حكاية مشابهة، يقول مصور تلفزيون فلسطين صخر زواتية: "تعرضت لإصابة بالرصاص المطاطي برأسي ورجلي أثناء تغطيتي للمواجهات على حاجز الجلمة قضاء جنين. استهدفونا منذ اللحظة الأولى من تواجدنا، وحين هممنا بمغادرة الميدان وخلعت الخوذة عن رأسي، كانت الفرصة الأفضل للقوات الإسرائيلية لتوقعني بأرض المعركة".
كما يشكل الاعتقال نوعاً من الضغوط الشديدة التي تمارس ضد الحريات الإعلامية، وفي هذا الصدد كتب الأسير الصحفي أمين أبو وردة في كتابه (بصمات في الصحافة الاعتقالية): "نظراً لإحاطة الأسلاك الشائكة كافة جوانب السجن، خاصة سقوف الأقسام سواء الغرف أو الخيام، فإن الأسرى يحبذون رؤية الأمور بنظرة معاكسة، معتبرين السماء هي المحبوسة، وليس الأسرى القابعين تحت سقف الأسلاك الشائكة".
وصل عدد الصحفيين المعتقلين في السنوات السبع الأخيرة إلى 127 صحفيا. ومنهم أمين أبو وردة الذي تم اعتقاله مجددا. وبحسب مركز مدى للإعلام، فإن سجون أجهزة الأمن الفلسطينية لم تخل أيضاً من المعتقلين الصحفيين، فقد كانت تضم اثنين وعشرين منهم، لكن أعدادهم انخفضت لأحد عشر صحفياً في العام الماضي.
وإيماناً منهم بدورهم الإعلامي في رسم فلسطين على الخارطة كاملة وبناء دولة معترف بها عالمياً وحفاظاً على أخلاقيات المهنة، فإنهم مهما تعرضوا لضغوطات أجبرتهم على الابتعاد عن الميدان لفترة من الزمن، يعودون بهمة وعزيمة أقوى في كل مرة، كما يقول أحمد: "لن أخاف ولن أهزم، وسأعود للميدان من جديد ورصاصتي ترافقني لتذكرني بقداسة عملي".
الكاتبة: نجوى عدنان
المحررة: جلاء أبو عرب
2015-10-12 || 17:40