يعجبني ولا يعجبني في ألمانيا - الحلقة الثالثة عشرة
إن كنت ممّن يفكّرون بالسّفر إلى ألمانيا والعيش فيها، فلا مناص لك من قراءة ما يكتبه الصحفي والكاتب الفلسطيني حكم عبد الهادي عنها. فقد أوجز عبد الهادي، الذي مضى على إقامته في ألمانيا 58 سنة، خلاصة تجربته وانطباعاته عن المجتمع الألماني في مجموعة مقالات بخفة
ما أروع المراقبة المالية التي يشرف عليها ما يسمى بالألمانية Bundesrechnungshof، أي دائرة المحاسبة الاتحادية للمؤسسات الحكومية وشبه الحكومية. الوزارات والإذاعات غير الخاصة وغيرها من المؤسسات معرضة للمحاسبة الدقيقة فيما يتعلق بعائداتها ومصروفاتها. أذكر أن مدير قسم في إذاعة (غير خاصة) يشمل على عدد كبير من الإذاعيين وقع في غرام امرأه جميلة كانت تعمل مذيعة حرة، وكانت تتقاضى قبل ولع الرئيس بها، مرتبا صغيرا يتناسب مع أدائها وقدراتها. وبعد أن استلم العاشق مهامه ازداد دخلها بشكل خيالي. المدير العام كان من مريدي المُتيّم لأنه اشتهر بالاجتهاد والإبداع، ولكنه كان يخشى مراقبة دائرة المحاسبة الاتحادية، فتم نقل العاشق إلى مكان عمل آخر يصول ويجول فيه كما يحلو له، ولكنه لا يشرف في المكان الجديد على أحد. دائرة المالية في كل مدينة – والكلام هنا ليس عن دائرة المحاسبة الاتحادية- تراقب دخل كل العاملين في ألمانيا بمن فيهم كاتب هذا المقال. أكرهها وأحترمها: أكرهها لأنها تتحكم بحجم الضرائب التي يتوجب علي أن أدفعها سنويا، ومن يتحمّس لدفع الضرائب؟ وأحترمها لأن هذه الأموال ضرورية لتمويل المدارس وحدائق الأطفال. رحم الله لينين الذي قال: "الثقة جيدة والمراقبة أفضل". تخيلوا لو تمت محاسبة كل الذين يعملون في أجهزة السلطة الفلسطينية من دائرة محاسبة محايدة تماما. أغلب الظن أننا سنسمع عندئذ عن فضائح لا أول لها ولا آخر، وسينتقل الكثيرون من مؤسسات بمقاعد مريحة إلى السجن. لا يعجبني في ألمانيا أن العائلة غير متكاتفة كما تربينا في الشرق الكبير، وهذا يعود - في رأيي – إلى الاستقلالية الاقتصادية لكل فرد، وفي مثل هذا المجتمع تسود العقلية الفردية خلافا للروح الجماعية والقبلية في بلادنا. في الأحوال العادية يغادر بنات العائلة وأولادها بيوت أهلهم ويعيشون مستقلين مع أصدقائهم وصديقاتهم أو وحدهم في شقق صغيرة. في كثير من الأحيان يزور هؤلاء الشباب والشابات الأهل في الشهر أو الشهرين مرة وأحيانا فقط في عيد الميلاد في نهاية شهر ديسمبر. كنت أجلس مرة في مقهى يطل على سوق خضار في مدينة بيرغيش غلادباخ بالقرب من كولونيا. لفت نظري سيدة تجاوز عمرها الخمسين وكانت تحمل "صحاحير" البندورة بصعوبة ترتسم على وجهها. جاءت صدفة إلى طاولتي في استراحة قصيرة. سألتها فيما إذا لديها أولاد "يَنتَعُون" عنها هذه الأثقال. قالت: "نعم، ولكنهم لا يزورونني سوى كل ثاني أحد في الشهر، فأقدم لهم ما يشتهونه من الوجبات". قلت: "إنهم لا يستحقون ذلك، فلماذا كل هذا الاهتمام بهم؟" فأجابت: "أفعل ذلك لأنني أحبهم، فلو لم أستقبلهم هكذا لتوقفوا عن زيارتي". الكاتب: حكم عبد الهادي المحرر: عبد الرحمن عثمان *هذا المقال لا يعبر بالضرورة عن رأي دوز
2015-10-05 || 17:20