يعجبني ولا يعجبني في ألمانيا - الحلقة الحادية عشرة
إن كنت ممّن يفكّرون بالسّفر إلى ألمانيا والعيش فيها، فلا مناص لك من قراءة ما يكتبه الصحفي والكاتب الفلسطيني حكم عبد الهادي عنها. فقد أوجز عبد الهادي، الذي مضى على إقامته في ألمانيا 58 سنة، خلاصة تجربته وانطباعاته عن المجتمع الألماني في مجموعة مقالات بخفة
يعجبني أن الألمان، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، يتجنبون السيطرة على أوروبا الغربية (الاتحاد الأوروبي) على الرغم من توفر الشروط الاقتصادية والسكانية لذلك، فألمانيا لا شك أقوى دولة اقتصاديا، إذ بلغ دخلها الإجمالي في عام 2013: 3,678 بليون دولار – فرنسا 2,544 وبريطانيا 2,466. وألمانيا هي أكبر دولة من حيث عدد السكان – 81 مليوناً، فرنسا 66 مليوناً وبريطانيا 64 مليوناً.
القيادات الألمانية تعلم علم اليقين أن طموحات السيطرة أسفرت تاريخياً عن حروب مدمرة. ولذا تسعى ألمانيا، كما ورد على لسان مستشاريها، إلى تحقيق شعار "ألمانيا أوروبية وليس أوروبا ألمانية". برلين تحرص باستمرار على الدور القيادي الألماني- الفرنسي، نظرا لأمركة وتردد المملكة البريطانية. هذا التطور في النظرة الألمانية يدل على حنكة واستفادة نادرة من تاريخ أوروبا وحروبها الكثيرة التي توقفت تقريبا منذ عام 1945.
ما يستحق الإعجاب أيضا أن ألمانيا استطاعت لأول مرة أن تخرج جزئيا من الانصياع الكامل للقيادة الأمريكية فيما يتعلق بالقضايا المركزية للسياسة الخارجية، وهذا ما حدث إبان حرب العراق الأمريكية. آنذاك أعلن المستشار غيرهارد شرودر رفضه شبه المطلق لهذه الحرب. كانت هذه الخطوة بداية الاستقلال الألماني بعد أن اشتد عود البلاد نتيجة للوحدة الألمانية (1989) وتساقط المعسكر الشيوعي وزوال الحرب الباردة.
لا يعجبني أن ألمانيا أقلعت خلال العقد الأخير عن سياسة عدم التدخل العسكري خارج أوروبا في مناطق التوتر في العالم. ألمانيا لم تلتزم في يوم ما بذلك فيما يتعلق بإسرائيل على الرغم من أنها تقع في منطقة متوترة للغاية، فقد أمدت تل أبيب على سبيل المثال بغواصات قادرة على القيام بحرب نووية. هذه الصواريخ تهدد العرب ولا تساهم في تعزيز الصداقة الألمانية- العربية. البعض يقول إن ألمانيا أصبحت من تعداد دول الاستعمار الجديد.
لا يعجبني أيضا أن ألمانيا من أكبر الدول المصدرة للأسلحة في العالم، خاصة للملكة العربية ألسعودية وغيرها من الدول غير الديمقراطية. ويتناقض ذلك تماما مع دروس الحروب التي فجرتها ألمانيا تاريخيا والتي كادت أن تمحو العالم عن بكرة أبيه. هنا انتصرت رأسماليةُ صناعة الأسلحة على ما يسمى بعقلانية الدولة والدور الألماني الذي من المفروض أن يصبو إلى إحلال السلام العالمي.
الكاتب: حكم عبد الهادي
المحرر: عبد الرحمن عثمان
*هذا المقال لا يعبر بالضرورة عن رأي دوز
2015-09-29 || 17:17