العيد في عيون الفاقدين.. ألم الانتظار يداويه فخر الذكريات
الاستحمام باكراً لم يكن إلا فرصة لهم للخلو بالنفس والتساؤل، كثيراً ما وجدوا الإجابة حين يكتشفون في كل مرة أن كل ما يحيط بهم هو أدوات قد تمنحهم دفئاً سرعان ما يندثر عند وصولهم إلى الميدان الحاشد بالمصلين، فتختلط مشاعرهم بفرحة العيد ودمعة تذكرهم بمن كان معه
يعاني نصير أبو ثابت (21 عاماً) من قرية بيت دجن شرق نابلس من فقد أخيه الأكبر صهيب (27 عاماً)، الذي ما زال يقبع في سجون الاحتلال منذ ثاني أيام عيد الأضحى الماضي، ضمن "الخلية التابعة لحركة حماس، التي كانت تنوي القيام بأعمال عسكرية ضد أهداف إسرائيلية"، كما قال الاحتلال.
يقول أبو ثابت: "إن حجم الحزن يتجدد دون وجود أخي بيننا في المناسبات الماضية والآتية"، جازماً بأن الابتسامة التي ستظهر على محياه صباح يوم العيد سيكون خلفها آلام لا تداويها إلا خروجه من الأسر، ومؤكداً أن الفرحة منقوصة مهما كان حجم تواجد الأقارب في ظل استمرار غياب أخيه.
من جانب آخر يستقبل مهند عساف (21 عاماً) هذا العيد دون وجود صديقيه المقربين أنس القطب (20 عاماً) وعمرو سلعوس (24 عاماً) اللذين اعتقلتهما قوات الاحتلال قبل بضعة أسابيع في مدينة نابلس. يقول عساف: "كان ليوم الوقفة نكهة مميزة بيننا في شرب القهوة من رفيديا سوياً، وتدخين الدخان الأجنبي على غير العادة، رغم اعتيادنا على الدخان العربي بقية الأيام، كانا يتسابقان في من يرفعني أعلى لضعف وزني، ويفوز عمرو دائماً".
ويصف عساف هذه المناسبة دون وجودهم بمن يشرخ قلبه بجرح عميق، مؤكداً في قوله: "أعلم إنني لا أسد مكان أحد منهما عند أمه، لكن سأذهب إليهن لأعيدهن".
[caption id="attachment_50380" align="alignnone" width="960"]

عمرو سلعوس هو خريج قانون من جامعة النجاح[/caption]
في حين يرى رغيد طبسية (22 عاماً) أن تكرار اعتقال قوات الاحتلال لخاله موسى صوي (26 عاماً) وقضائه لأكثر من عيد في سجون الاحتلال جعل من الأمر يبدو عادياً بالنسبة له، رغم إقراره بصعوبة مواجهة اللحظة التي تعقب الصلاة صبيحة يوم العيد بعدم وجود خاله بين المباركين والمهنئين.
ويعقب طبسية: "أن التفاصيل جميعها لا تنسيك الشخص المفقود في أبهج الأوقات"، مؤكداً أنه وأسرته يحاولون في كل مناسبة أن يخرجوا أبناء الأسير موسى من شعور فقدهم لأبيهم.
يذكر أن عدد الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال يبلغ حوالي 6000 أسير، من بينهم 210 من القاصرين و25 امرأة وما يزيد عن 400 أسير إداري.
فقد من نوع آخر
ولأسر الشهداء فقد من نوع آخر لا يقتصر على عائلتي محمود جود الله وفضل الخالدي وحسب، فهناك آلاف العائلات الفلسطينية التي فقدت أكثر من حبيب.
يقول ياسر جود الله: "فقدان الإنسان لا يمكن أن يعوضه أي شيء في هذه الدنيا، فما بالك إن كان هذا الإنسان هي أمك وأخوك، الذين لم يكن لك نصيب في هذه الدنيا سوى 11 عاماً جلها في طفولة بريئة مسلوبة بفعل الاحتلال الغاشم؟".
ويضيف: "لعل الحزن الذي في قلبي وقلب أخواني كبير وغامر لحياتنا، لولا ذلك المشهد حين رأيت أمي في سيارة الإسعاف ترفع سبابتها مبتسمة لتبقى آخر صورة لها ما غابت عن عيني قط ولا رحلت عن ذاكرتي، فكلما جئت لأحزن تذكرت وجه البدر المبتسم".
وتابع جود الله قائلاً إن "من رحل وارتقى شهيداً برصاص الاحتلال أكبر وأسمى من أن يعوض غيابه بإنسان أو بسلوك ما".
في حين بات يقترب العيد الأول على عائلة فضل الخالدي من مخيم الجلزون شمال مدينة رام الله دون أن يكون بينهم فلذة كبدهم ليث (17 عاماً)، الذي توفي متأثراً بجراح أصيب بها في مواجهات اندلعت مع جنود الاحتلال على حاجز عطارة شمال رام الله آب الماضي، تنديداً بحرق الطفل علي دوابشة على يد مستوطنين.
يقول والد ليث: "إن الحزن المخيم على قلبي لفقدي ليث لا يمكن تعويضه إلا بالدعاء"، مسترجعاً ذكريات الماضي التي تخللها وجود ليث بينهم، بنشاطه وإقباله على إيقاظ جميع أفراد العائلة يوم العيد ورغبته في إيصال رحم أقربائه.
ويتابع الخالدي قوله: "نحن افتقدناه جسدياً، لكنه موجود في صباحنا ومسائنا وأعيادنا وقلوبنا"، مؤكداً على "إيمانه بالقدر وأن نيله الشهادة ما هو إلا فخر لعائلته ووطنه وقضيته".
مغتربون
ومع أول أيام العيد تستيقظ المشاعر داخل نفوس المغتربين خارج الوطن، والذين يقضون الفرحة بعيداً عن الأهل والأقرباء وفي داخلهم الإصرار بالعودة حاملين حصاد ما قضوه في الغربة.
يقول محمد زعرور (24 عاماً) والذي تخرج من جامعة النجاح ويعمل حالياً في دولة الإمارات العربية المتحدة، إنه يفتقد عائلته وأصدقاءه وبلدته في هذه المناسبة، معقباً أن الغربة والسعي وراء المستقبل لهما ضريبة.
ويضيف زعرور: "عزائي الوحيد أن غربتي وفقدهم مؤقت"، مؤكداً أن وجوده خارج الوطن لهدف تأسيس قواعد بسيطة متحركة لأسرة فلسطينية تسكن فلسطين في المستقبل غير البعيد.
في حين يرى محمد دراغمي (23 عاماً) من مدينة نابلس، والذي يعيش في دولة قطر، أن وسائل الاتصال الحديثة ساهمت إلى حد كبير في تقريب المسافات، معوضاً ذلك بالتواصل المرئي مع أهله باستمرار.
يقول دراغمي: "العادة أن أقضي أجواء العيد في قريتي اللبن الشرقية شرق نابلس مع الأهل والأحبة"، معرباً عن شوقه لأجواء العائلة وأن هذا العيد الأول الذي سيقضيه في قطر.
[caption id="attachment_50381" align="alignnone" width="960"]

والدة وأخ ياسر، اللذان أخرج ياسر عنهما فيلماً وثائقياً عرض في مهرجان جامعة النجاح[/caption]
فقيد الأب
"تسع شهور وسبع أيام مرت وأنا ما زلت لا أصدق الأمر، لا أنتظر العيد حتى أستذكر أبي. أنا في كل يوم حزينة على فراقه"، بهذه الكلمات بدأت يُمن طبيله (17 عاماً) حديثها عن والدها الذي فقدته، مؤكدةً أنه لا يمكن أن تدخل الفرحة قلبها إلا بعد حين، فذكراه ورائحته تطوف بها عبر ذكرياته معه.
وتضيف يُمن واصفةً العيد في ظل غياب والدها: "كان هو العيد بالنسبة لي، هو جنتي وشمسي وسبب سعادتي، ولم أتيقن ذلك إلا بعدما فقدته، أسعدني وفرحني ولم يترك لي فرصة لرد جزء من معروفه الوافر".
الكاتب: طه طبيلة
المحرر: عبد الرحمن عثمان
2015-09-24 || 14:00