منذ أن أعلنت شركة سند نيتها استملاك 2200 دونم من أراضي منطقة وادي الشعير من خلال إعلانٍ مفاجئ صدر في الصحف اليومية، وبدون مشاورة مع أصحاب الأراضي وأهالي المنطقة، ابتدأت حراك شعبي من أجل تأكيد رفضهم القاطع لهذا المشروع.
بالدرجة الأولى رفضوا استملاك أراضيهم الزراعية ومصدر رزقهم، وثانياً بسبب التأثيرات البيئية الناجمة عن المصنع لقربه من التجمعات السكنية والمدارس. وقد اتسمت تلك الحراكات بشموليتها ووضوح مطالبها بالإضافة إلى العمل على المستويين الشعبي والرسمي لوقف المشروع، مع تأكيد التزامهم التام بطرق الاحتجاج الحضارية، والتي تعكس مستوى وعي أهالي المنطقة وحرصهم على الحفاظ على النظام العام والعمل في نطاق القانون.
وبالرغم من أن أزمة وادي الشعير قد أثارت بلبلة وتساؤلات عديدة حول قانون الاستملاك وتحديد ماهية المنفعة العامة ومحدداتها الفضفاضة، إلا أن الأثر البيئي الناجم عن انبعاث الأبخرة والغازات السامة وذرات الغبار هو أكثر ما يثير مخاوف السكان. وهي مخاوف مبررة ومبنية على أسس علمية مثبتة عالمياً، "حيث أثبتت منظمة الصحة العالمية بأنه على الأقل يموت 2 مليون إنسان بسبب تلوث البيئة، وتعتبر صناعة الأسمنت من أكثر الصناعات التي تسهم في تلوث البيئة، حيث إن التفريغ الجوي الناتج عن صناعة الأسمنت يحتوي على غازات أهمها سولفير دايوكسايد ونيتروجين وأكاسيد مختلفة، وتنتج بسببها غيوم واضحة للعيان تستقر بالنهاية على الغطاء النباتي والتربة وجميع الحياة البيولوجية المجاورة للمصنع. وبذلك، فإن النظام البيئي المحيط بالمصنع هو معرّض للإساءة للتشوه".
1
حجج شركة سند
لو تتبعنا نهج شركة سند الشمال في التعامل مع هذه القضية، لوجدنا أن طريقتهم في إدارة هذا الملف ابتدأت بخطوات غير موفقة بإعلان الاستملاك الذي نشر بالصحف، واستمرت بوتيرة تتسم باللامبالاة والفوقية والهروب الدائم من المواجهة والاكتفاء بتصريحات إعلامية مكررة وخالية من المضمون هدفها التأثير على النخبة ولا تتماشى مع مستوى وعي وإدراك المواطنين.
[caption id="attachment_44738" align="alignnone" width="2048"]

هذا الجزء من أراضي كفر رمان هو متنفس طبيعي ستفقده القرية لصالح مصنع الأسمنت[/caption]
تحاول شركة سند الشمال أن تؤثر على الرأي العام من خلال رسائل تطمينية، بأن هذا المشروع كامل متكامل. وهي تقول بأنها قامت بكل ما يلزم من أجل السيطرة على الأثر البيئي بتقنيات حديثة وميزانيات هائلة، وإلى الآن فإن رسائل التطمين تلك ما زالت سطحية وبعيدة كل البعد عن النهج العلمي في إقناع الناس، خصوصاً ما ورد في مقابلة مع المدير التنفيذي للشركة لؤي قواس نشرت على دنيا الوطن بتاريخ 6/9/2015، وطرح خلالها أمثلة ونماذج لمصانع إسمنت شُيدت في مناطق سكنية في إيطاليا وألمانيا والسعودية والإمارات وإسرائيل.
لو افترضنا بأن كلامه صحيح، فالسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل لدى السيد لؤي دراسات وأبحاث تثبت بأن تلك المصانع لا تلوث البيئة المحيطة؟ وإذا كانت تلك الدراسات متوفرة، فيجب نشرها ليثبت وجهة نظره لا أن يعتبرها نموذجاً يحتذى به كونها أنشأت مصانع في مناطق مأهولة فقط.
التكنولوجيا لا تمنع الضرر
بقليل من البحث والتمحيص على محرك البحث جوجل، يستطيع أي منا استكشاف المخاطر الناجمة عن صناعة الإسمنت، مثلاً يمكن الاطلاع على تجارب دول أخرى لها باع طويل في تلك الصناعة، أو قراءة مقالات وأبحاث علمية صادرة عن مراكز دولية، وبسهولة سنتوصل إلى استنتاج بأنه بالرغم من التفاوت في التقنيات المستخدمة لضبط الأضرار البيئية في الدول المختلفة، إلا أنه لا يوجد مصنع أسمنت واحد بالعالم ليس له ضرر بيئي، ويمكن لشركة سند الشمال أن تتقدم بدراسات تثبت العكس.
حتى المصانع الضخمة في دول غنية مثل السعودية والإمارات فهي تتسبب أيضاً بتلويث البيئة، بغض النظر عن التقنيات ومحاولات التخفيف من التلوث البيئي للمصانع التي تكون مجدية في حال كان المصنع بعيداً عن المناطق السكنية. إن امتلاك شركة سند الشمال لتقنيات حديثة وميزانيات كبيرة للسيطرة على الأثر البيئي هو مفيد ومجد فقط إذا شيد مصنعهم في منطقة بعيدة عن التجمعات السكنية.
[caption id="attachment_45385" align="alignnone" width="960"]

سلسلة بشرية لطلاب مدارس عنبتا ضد مصنع الأسمنت[/caption]
إضافة الى ذلك، فقد وجدت بأن الدراسات البيئية الشاملة خصوصاً فيما يتعلق بتلوث الهواء، لا تقتصر على الأبخرة والغازات والغبار الناتجة عن مصنع محدد، بل يجب أن تتضمن دراسة شاملة لتلوث الهواء في تلك المنطقة بما فيها التلوث الناتج عن (مصنع جيشوري، مصنع عزيزة، وعن واد الزومر). وفي حال أنشئ مصنع الأسمنت، فإن هذا سيكون بمثابة قتل بطيء لمحافظة كاملة يحدها من الغرب مصنع جيشوري ومن الشرق مصنع سند للأسمنت. علماً بأن مدينة طولكرم ما زالت تخوض صراعاً مع سلطات الاحتلال من أجل إزالة مصنع جيشوري السام.
وفي السياق البيئي أود أن أذكر بعض الحقائق وآليات التعامل مع مصانع الأسمنت في دول متفرقة حول العالم:
أولاً: مصنع اليمامة في الرياض – السعودية
قامت الإدارة العامة لصحة البيئة وإدارة الوقاية الصحية بتشكيل فريق استشاري لدراسة الأثر البيئي الناشيء عن مصنع اليمامة في الرياض وخلص الفريق إلى أن "شركة أسمنت اليمامة تعتقد بأنها تقوم باستخدام أفضل التقنيات المتاحة للسيطرة على الغبار باستخدام الفلاتر الضخمة وعشرات من الفلاتر الصغيرة، إلا أنه "بالرغم من تلك الإجراءات، تبدو آثار تلوث الهواء واضحة بمجرد القرب من المصنع. ومما يزيد الأمر سوءاً هو قرب المصنع من المناطق السكنية حيث امتد العمران لهذه المنطقة، فأصبح يقع وسط الأحياء السكنية، وعلى الرغم من المحاولات التي تبذلها إدارة المصنع للحد من التلوث الا أن ذلك لا يعد مجدياً، لاستمرار انبعاث الجسيمات الدقيقة الصلبة العالقة وملاحظتها بوضوح في المنطقة المجاورة للمصنع".
ويتضح من خلال الأبحاث بأن تركيز الجيسمات الصلبة العالقة في الهواء هو أعلى من مقاييس حماية البيئة بـ 340 ميكروجرام/م3 في جميع المواقع التي أخذت منها القراءات. ويعود السبب إلى عدم مراعاة الاعتبارات البيئية في الأنشطة التنموية بالمدينة وعدم إجراء دراسات التقييم البيئي لتلك المشاريع. ويلاحظ ارتفاع تركيز الجسيمات الصلبة العالقة في الهواء في منطقة جنوب الرياض على طريق الخروج حيث يوجد مصنع أسمنت اليمامة".
2
وفي عام 2015 "أصدر الأمير فيصل أمير منطقة الرياض توجيهاته بتطوير جنوب الرياض وتوفير سبل السعادة والراحة لساكنيه من خلال مشاريع تطويرية أهمها نقل مصنع الأسمنت شرق مدينة الرياض بحوالي 70 كيلو مترا وإغلاق مصانع ودباغة الجلود وإيقاف تفريغ مياه الصرف".
[caption id="attachment_43785" align="alignnone" width="720"]

قرية كفر رمان شمال شرق طولكرم[/caption]
وقالت الشركة مؤخرا في تقرير مجلس إدارتها إنه "يجري الآن التخطيط لنقل مصنعها الواقع في جنوب الرياض، حيث قامت وزارة البترول والثروة المعدنية باقتراح ثلاثة مواقع تعدينية للشركة خارج مدينة الرياض وذلك لإجراء عملية الاستكشاف عن مادة الحجر الجيري المستخدم في الإنتاج، واختيار أفضل المواقع من حيث جودة المواد الخام والكمية المتوفرة فيها". (موقع أرقام نشر بتاريخ 20/2/2015)
3
ثانياً: تجربة الهند
نشرت المجلة الدولية للدراسات العلمية عام 2013، دراسة حول الأمراض التي تصيب العمال في صناعة الأسمنت، وقد نفذت الدراسة على ثلاث منشآت هامة في الهند وهي:
4 (Khrew (JK cements) , Khonomoh (saifco), Khonomo (Khyber
وقد قام 10% من العمال في المنشآت الثلاثة بتعبئة استمارات موحدة حول وضعهم الصحي، وتظهر الدراسة بأن هناك 19 نوعاً من الأمراض قد سجلت بين العمال في تلك المصانع وهي: الحساسية، التهاب القصبات الحاد، الأزما، انتفاخ الرئة، الالتهاب الرئوي، السل، سرطان الرئة، ضيق التنفس، القحة، الصفير، الجلطات، آلام الصدر، عدم انتظام دقات القلب، انتفاخ الأرجل، حساسية العيون، حساسية الجلد، إحساس مستمر بالتعب والإرهاق.
مثلاً فيما يتعلق بعمال مصنع khrew JK cements، فقد تبين بأن نسبة المصابين بالأمراض كانت كالتالي:
نسبة العمال المصابين به
الصفير بالصدر
91%
آلام الصدر
70%
حساسية الجلد
90%
التهاب قصبات حاد
53%
السعال
90%
الأزما
50%
التهاب العيون
88%
الإلتهاب الرئوي
50%
ارتفاع ضغط الدم
78%
انتفاخ القدمين
48%
ضيق التنفس
78%
انتفاخ الرئة
9%
حساسية تنفسية
73%
الجلطات
8%
ثالثاً: تجربة إمارة دبي

في 30 مارس 2015 عمدت بلدية دبي إلى إلزام شركات المقاولات باستخدام الخرسانة الخضراء لتصبح دبي مدينة صديقة للبيئة "حيث إن أهم عنصر يدخل في بناء مباني دبي هو الخرسانة المسلحة التي يعتبر الأسمنت من أهم مكوناتها، حيث إن صناعته وتطبيقاته ينتج عنها انبعاث ثاني أكسيد الكربون ومواد أخرى سامة بكميات هائلة تضر بالبيئة والصحة العامة والسلامة، وانطلاقا من سياسة إدارة المباني في البحث والاطلاع على كل ما هو جديد في قطاع التشييد والبناء لتطبيق أفضل الممارسات العالمية بما يتوافق مع بيئة دبي ولتواكب التنافسية الدولية، قامت الإدارة بإجراء دراسة لتوضيح أضرار الأسمنت ومن ثم معالجتها باستخدام مواد أسمنتية صديقة للبيئة في صناعة الخرسانة المستدامة".
ومن أهم نتائج تلك الدراسة هو التعرف على أضرار الأسمنت البورتلاندي، حيث إن إنتاج طن واحد من الأسمنت يصاحبه انبعاث (1.1 طن تقريبا) من غاز ثاني أكسيد الكربون (2Co) وغازات وأبخرة أخرى ضارة. علاوة على ذلك، فإن إنتاج طن واحد من الأسمنت يؤدي إلى انبعاث (164 كجم) من الغبار، مما يؤدي إلى زيادة ظاهرة الاحتباس الحراري (Global Warming) وزيادة الأضرار البيئية والصحية وزيادة نسبة أمراض الجهاز التنفسي مثل الربو والتحجر الرئوي وسرطان الرئة، وتسبب الفشل الكلوي وغيرها من الأمراض الخطيرة على الإنسان.
ووفقا لدراسة بيئية عالمية، فإن مصانع الأسمنت عالمياً هي ثاني مسبب للوفيات في سرطان الرئة بعد الدخان، وبناءً على أبحاث ودراسات من جمعية NRMCA الأمريكية، ومؤسسةECO-SMART الكندية، فإن مصانع الأسمنت وحدها تنتج 50 % من انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون لجميع المصانع".
5
رابعاً: تجربة اليونان
قضت المحكمة العليا في اليونان، بتغريم Heracles' General Cement Company، وهي تابعة لشركة Lafarge، بأن تدفع للسكان في آيجا مبلغ 78 ألف يورو كتعويضات بسبب التلوث البيئي الحاصل في منطقتهم بسبب صناعة الإسمنت، والتي حرمتهم من الاستمتاع بالطبيعة بسبب تلوثها.
6
في الختام

هذه المقالة موجهة بالأساس للرأي العام، الذي قد يرى صورة مختلفة لما تروجه شركة سند الشمال من قدرتها على التحكم بالأثر البيئي، والخروج بموقف مبني على حقائق وأدلة علمية. تستطيع شركة سند الشمال أن تقول ما تشاء، لكن يجب أن تقوله بمهنية تامة مستندة إلى أدلة ودراسات علمية تنفي نفياً قاطعاً الضرر البيئي.
من الواضح بأن مصانع الإسمنت بالرغم من أهميتها بالنسبة للدول المتقدمة إلا أنها ما زالت تشكل عبئاً كبيراً على حكومات تلك الدول، بسبب ما تخلفه من ضرر بيئي وصحي وبسبب عدم التزام المصانع بالإجراءات والتعليمات اللازمة للتحكم بنسبة التلوث الصادر عنها. ولاحقاً تبذل الحكومات جهوداً جبارة من أجل فض الخلافات بين السكان وأصحاب المصانع، بالإضافة إلى تكبدها مسؤوليات مالية لعلاج الأمراض الناتجة عن تلوث البيئة.
مصالح الشعب ومصالح المستثمرين
لم أتطرق في هذا المقال نهائياً إلى الضرر المعنوي الذي أصاب المواطنين، ولا الجانب الأخلاقي لعملية الاستيلاء على مساحات شاسعة من أراضي المواطنين، بل ارتأيت أن أركز على ما توصلت إليه الدول الأخرى فيما يتعلق بتلك الصناعة لاستنباط العبر ومنع تشييد هذا المشروع قبل فوات الأوان، والتوقف عن التذرع بالمنفعة العامة، لأن هذا الشعب القابع تحت الاحتلال لديه احتياجات ومصالح أخرى مختلفة عن مصالح المستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال.
يمكن لشركة سند أن تتجاهل المجتمع المحلي قدر ما تشاء، والتمسك بهذا الموقع قدر ما تشاء، لكن في النهاية من الحكمة أن تدرك بأن أصحاب الأراضي وسكان تلك المنطقة لن يسمحوا نهائياً بإقامة هذا المشروع. وبالرغم من عدم بروز أية نوايا حسنة من قبل شركة سند الشمال، ونشرهم المستمر لتصريحات تؤكد نيتهم الاستمرار في محاولة إقامة المشروع، إلا أنني ما زلت أمتلك ذرة أمل بأن تستجيب لمطالب أهالي المنطقة وأن تنسحب كما أتت بإعلان في الصحيفة يتضمن تراجعها عن المشروع في منطقة وادي الشعير لتحقيق المنفعة العامة، ونيتها البحث عن منطقة جديدة خالية من السكان. المنفعة العامة في دولة محتلة ونابضة بشعبها وشبابها هي الاستثمار بالبشر أولاً ومن ثم بالحجر.
الكاتبة: ليلى عورتاني
المحرر: عبد الرحمن عثمان
*هذا المقال لا يعبر بالضرورة عن رأي دوز
المراجع:
1. بحث بعنوان "Cement factories, air pollution and consequence" صادر عن قسم العلوم البيئية في جامعة كشمير.
2. faculty.ksu.edu.sa
3. http://www.argaam.com/article/articledetail/487215
4. Health risks associated with workers in cement factories, International Journal of science and research publications. may 2013
5. www.dm.gov.ae
6.http://www.globalcement.com