يعجبني ولا يعجبني في ألمانيا - الحلقة الخامسة
إن كنت ممّن يفكّرون بالسّفر إلى ألمانيا والعيش فيها، فلا مناص لك من قراءة ما يكتبه الصحفي والكاتب الفلسطيني حكم عبد الهادي عنها. فقد أوجز عبد الهادي، الذي مضى على إقامته في ألمانيا 58 سنة، خلاصة تجربته وانطباعاته عن المجتمع الألماني في مجموعة مقالات بخفة
في ألمانيا يشاهد المرء آلاف المواطنين الذين يذهبون للعمل "بالبوسكليت"، فهم يعتبرونه وسيلة نقل عملية خاصة في المدينة، ولذا هناك طرق للدراجات الهوائية فقط. بعد وصولي إلى ألمانيا كتبت لوالدتي (أميّة كمعظم بنات جيلها) أنني شاهدت نساءً بعمرها يتحركن بالدراجات الهوائية إلى سوق الخضار أو المسبح. إخوتي كانوا يبتسمون حين يقرأون لها مثل هذه الرسائل ويقولون: تخيلي أنك تذهبين لزيارة أم مصطفى "بالبوسكليت". الوالدة كانت تضحك وتقول لهم: "عزا، يا غيرة الدين. هاي اللي ناقصني بهالعمر".
سألت مرة صديقاً حمصياً لماذا لا يستعمل الدراجة في الحياة اليومية؟ أجاب: "في بلدنا فقط الفقراء يفعلون ذلك".
وعندما اشتد ساعد حركة الخضر أصبح عدد كبير من نوابها لا يتنقلون إلا بالدراجة من بيوتهم إلى البرلمان. الخضر، أعداء السيارات، كانوا يعتبرون الدراجة بديلاً للسيارة لما تسببه من تلوث بيئي، إلى أن أصبح زعيمهم يوشكا فيشر ووزير الخارجية الأسبق، عضواً في مجلس إدارة شركة السيارات الشهيرة BMW واعتبر ذلك صفعة لتاريخ الحزب وأداة لرفع قيمة أسهم الشركة المذكورة.
لا يعجبني في ألمانيا الإفراط في حب الكلاب. كانت جارتي من هذا الرّبْع، وكانت لا تتردد في تقبيل الكلب على فمه، فهو ينام معها في غرفة نومها وأحيانا في سريرها. جارتي كانت تؤكد في كل مناسبه أنها تعامله كأحد أبنائها. كانت مسرفة في ذلك إلى درجه جعلت أحد أصدقائي يقول: لو وُلدت مرة ثانية لوددت أن أكون كلب جارتك.
لا ترى في هذه البلاد كلباً شارداً بلا بيت يحرسه. وعلى أصحاب الكلاب أن يدفعوا ضرائب الكلاب للدولة، كما أن شركات التأمين تحقق أرباحاً عالية من وراء تأمينها. وإذا عضك كلب، فإن أصحابه سيقولون لك أنت السبب وإنك لم تحسن التصرف، فهم يعتقدون أن الكلب على حق دائما ويرون أن الكلب أفضل أخلاقياً من الإنسان.
وإذا أراد أصحاب الكلاب السفر، فبإمكانهم أن يتركوه في كنف فندق الكلاب، الذي تبلغ تكاليفه أكثر من عشرة يوروهات في اليوم. وإذا كنت وقحا للغاية (على الطريقة العربية) وأردت أن تقول لألمانياً أنت كلبٌ ابن كلب، فقد يرد عليك: شكراً، كل الناس خير وبركة!
الكاتب: حكم عبد الهادي
المحرر: عبد الرحمن عثمان
*هذا المقال لا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر دوز
2015-09-05 || 10:39