يعجبني ولا يعجبني في ألمانيا - الحلقة الثانية
إن كنت ممّن يفكّرون بالسّفر إلى ألمانيا والعيش فيها، فلا مناص لك من قراءة ما يكتبه الصحفي والكاتب الفلسطيني حكم عبد الهادي عنها. فقد أوجز عبد الهادي، الذي مضى على إقامته في ألمانيا 58 سنة، خلاصة تجربته وانطباعاته عن المجتمع الألماني في مجموعة مقالات بخفة
يعجبني في ألمانيا، أن الحوار في المجتمع متشعّب وملوّن. كل قضية مهمة تُطرح بشكل مفصل ومن زوايا مختلفة. ثقافة الحوار لا شك راقية في معظم وسائل الإعلام والمراكز الثقافية. وقلما نسمع من يسب ويشتم ويُخوِّن، وهذا يعود إلى أن ألمانيا لم تعد تحت الاحتلال ولم تتورط مباشرة في حرب منذ 1945. أيضا الرفاهية المنتشره في شرائح كثيرة من المجتمع تساعد على النقاش الهادئ. في بلد عربي كان أحدهم سيستعمل العنف معي لاختلاف عابر في وجهات النظر. نفدتُ من لكَماته بصعوبة.
أيضا هنا عقدة الأكاديميين أخفّ بكثير من بلادنا. الناس تُقبِل على تعلّم المهن المختلفة ولا يخجلون من مزاولة العمل الحرفي في كافة المجالات، فلولا ذلك لما تطورت ألمانيا على هذا النحو. المهارات الحرفية تُكتسب من التأهيل المهني وممارسة العمل في نفس الوقت. ولذا، فأنا معجب جدا بالنظام التعليمي – أيضا المهني – وهو فعلا قدوة لمعظم دول العالم.
يعجبني أيضاً أن الألمان يتبرعون بشكل مكثف أثناء الكوارث في البلاد الفقيرة وفي دعم المحتاجين. آلاف من الألمان يتبنون تدريس طلبة في أفريقيا. في هذه الأيام تبرعت مجموعة كبيرة من الأساتذه بتدريس اللغة الألمانية للاجئين السوريين. المشكلة كانت أحياناً أن عدد الأساتذه كان أكبر من عدد الطلاب.
لا يعجبني في ألمانيا تأييدها شبه المطلق لإسرائيل. أفهم التاريخ الألماني جيداً وأنهم في عهد هتلر لاحقوا اليهود وحاولوا حتى إبادتهم، ولكنني أرفض موقفهم غير المتفهم لمطالب الشعب الفلسطيني العادلة، فالفلسطينيون ضحايا الضحايا، كما قال عمدة برلين الأسبق ثم اعتذر عما قال. كثير من الألمان جبناء فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، فعندما يتحدثون مع عربي يعلنون عن تفهمهم، ثم يخرجون لوسائل الإعلام ويشددون على تأييدهم لإسرائيل. أيضا رئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي سيغمار غابرييل، قال بعد زيارته لمدينة الخليل الفلسطينية، إن ممارسات إسرائيل ضد الفلسطينين عنصرية وغير مقبولة، ثم قعد صامتا ولم نعد نسمع منه شيئاً. لا أريد أن أطيل في هذا الموضوع، فلكل حادث حديث.
لا يعجبني في ألمانيا أن حفنة من رجال المال تسيطر على وسائل الإعلام وعلى رأسها مؤسسة شبرِنغر المتعاطفة إلى أبعد حد مع إسرائيل. ربما كان نقدي سيكون أخف لو تحيّزت صحف هذا الرجل للقضايا العربية.
الآن سأترك السياسة قليلاً لأضيف أن ظاهرة العداء للاجئين لا تعجبني بطبيعة الحال بل تؤرقني وتستحق وقفة طويلة. علينا في نفس الوقت ألا ننسى من يقف مع المشحّرين، ولكن هذا يأتي في باب ما يعجبني.
وفي آخر هذه الحلقة أضيف، أنه لا يعجبني الطقس في ألمانيا، فأحيانا يكاد هطول المطر لا يتوقف، ولكنني لا أظن أن أحداً يتحمل مسؤولية ذلك. ومن قبيل المداعبة: لا يجوز دائما أن نُحمّل الطرف الآخر ما ليس في نطاق مسؤوليته. فلسطينية معوقة ناقدة وتقدم برامج مسرحية مرحة ومعروفة في الولايات المتحدة بانتقاداتها لإسرائيل قالت ذات مرة: الفلسطينيون لا يلتزمون بالوقت، فهم يتأخرون حتى عن السير في جنازة أقاربهم وأصدقائهم، ولكنهم يُحمّلون إسرائيل مسؤولية ذلك.
شكراً على اهتمامكم وآمل ألا يكتب أحد يعجبني ولا يعجبني في حكم.
الكاتب: حكم عبد الهادي
المحرر: عبد الرحمن عثمان
*هذا المقال لا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر دوز
2015-09-01 || 18:42