يعجبني ولا يعجبني في ألمانيا - الحلقة الثالثة
إن كنت ممّن يفكّرون بالسّفر إلى ألمانيا والعيش فيها، فلا مناص لك من قراءة ما يكتبه الصحفي والكاتب الفلسطيني حكم عبد الهادي عنها. فقد أوجز عبد الهادي، الذي مضى على إقامته في ألمانيا 58 سنة، خلاصة تجربته وانطباعاته عن المجتمع الألماني في مجموعة مقالات بخفة
يعجبني أن الألمان يحترمون العمل وأماكنه، فعندما يغادر الألماني منجرته أو مكان العمل في المصنع الذي يعمل فيه يتركه نظيفاً ولا يذهب إلى البيت قبل أن يكنسه ويلمّع الآلات. صديقي الدرزي عفيف كان يتدرب قبل أن يبدأ دراسة هندسة الميكانيك في أحد المصانع، وكان أن رفض أن يكنس مكان عمله، وقال للمعلم: "في بلادنا تكنس النساء فقط". احتدم النقاش بينه وبين المعلم، وفي هذه الأثناء جاء رئيس المهندسين الكهل. وعندما فهم سبب "الطوشة" قال: "هات المكنسة، سأكنس أنا، فنحن لا نستطيع في أي حال من الأحوال أن نترك المكان دون أن ننظفه"، فخطف عفيف المكنسة وكنس قائلاً: " في بلادنا الصغير يخدم الكبير".
يعجبني أيضا أن الناس في ألمانيا أمام القانون سواسية، فلا فرق أمام المحكمة بين غني أو فقير. ألمانيا دولة قانون بكل ما في هذه الكلمة من معنى. يحق على سبيل المثال للأجنبي، الذي أصبح ألمانياً، أن يرشح نفسه لمنصب رئيس الجمهورية. ويحق لكل مواطن أن يرفع دعوى على المستشارة ميركل.
قال لي مهاجر كردي: كنت مرتبكاً جداً أمام الحاكم واختنقت الكلمات في "زوري" فطلبت كأس ماء. فوقف الحاكم وأحضر لي كأس ماء، ولكنني لم أشرب، فقال الحاكم: لماذا لا تشرب. رد الشاب الكردي وعمره لا يتجاوز الخامسة والعشرين: إنني مبهور، لأنك رجل كبير الشأن وقمت لتخدمني. الحاكم، الذي لا بد أنه كان يعرف الظلم الذي يعاني منه الأكراد في تاريخهم الصعب قال للشاب: "اشرب يا ابني. أنت في ألمانيا. لا فرق بيني وبينك".
لا تعجبني الجدية الزائدة عند الألمان. وجوههم لا تضحك للرغيف السخن، خاصة أثناء العمل أو في الطريق إليه. صُدم شاب سوداني بعد وصوله للبلاد بفترة قليلة عندما رأى في الصباح الباكر وجوه ركاب الباص العابسة. وسأل صديقة فيما إذا كان الركاب في طريقهم إلى بيت عزاء.
حدثتني شابة ألمانية أنها كانت تجلس في الترام أمام رجل لا تخلو ملامحه من القسوة الشديدة وكان ينظر إليها وكأنها قتلت أباه. أضافت: نزلت من الترام قبل أن أصل إلى هدفي بمحطتين لأنني لم أعد أحتمل.
لا تعجبني، أو ربما تربكني على الأقل، طريقة الألمان في إبداء آرائهم بشكل مباشر ودون أي نوع من المقدمات أو المجاملات. زميل ألماني قال لي ذات مرة ودون أي مراعاة لمشاعري: لا أحب العرب لأنهم يهددون أمننا ويتحرّشون بنسائنا وإذا أبدينا إعجابنا بفتاة عربية فيا غيْرة الدين.
طبيب عظام ألماني أكد لي أنه لم يزر ولن يزور أي بلد عربي على الرغم من إعجابه القوي من بعيد بالأهرامات وتدمر. قلت له: ما الذي يمنعك من زيارتها. قال لي دون مواربة: أتخيل أن العربي سيطعنني من الخلف!
شكراً على اهتمامكم وآمل ألا يكتب أحد يعجبني ولا يعجبني في حكم.
الكاتب: حكم عبد الهادي
المحر: عبد الرحمن عثمان
*هذا المقال لا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر دوز
2015-09-02 || 08:23