أعمى مبصر وآخر مبصر لكنه أعمى
مواقف كثيرة نقابلها تثير استغرابنا وهلعنا، مواقف تؤثر بنا فتخدش إنسانيتنا. مواقف تبكينا وتدفعنا للكتابة، منها موقف رأيت فيه أن الفرق كبير بين أن تبصر بعينيك وأن تبصر بقلبك. موقف أدركت خلاله أنه ليس مهماً أن تبصر وترى الأشياء أمامك، بل المهم هو أن تراها بع
لم أشأ يوماً تصديق أن الاستغلال موجود في مجتمعنا. وغالباً لم أكن أستوعب فكرة الاستغلال "عينك عينك" وأحاول رفض الفكرة إيماناً مني بأن الإنسانية باقية رغماً عن أنف الجميع، الإنسانية التي تمنع صاحبها من الاستغلال. حتى حصل أمامي موقف استغلالي بحت أثار استغرابي، نظرات مترددة أرسلها أحاول من خلالها الاستفسار عن الموضوع، لتكون الإجابة واضحة: استغلال في وضح النهار في رمضان.
أنهيت دوامي الجامعي وخرجت واستقليت أنا وصديقتي تاكسي تابعاً لمكتب أتحفظ على ذكر اسمه. جاءت فتاة أخرى وقالت له أريد الوصول للمجمع الغربي، فأجابها، "ادفعي لي حق طلب غير هيك ما بوصلك". لا زلت لا أتفهم موقف الفتاة، إذ لربما الصدمة جعلتها توافق. نظرت لي صديقتي وقالت بصوت مرتفع "المجمع الغربي في شارع سفيان بطريقنا". لم يرق لصاحب التاكسي ما قالته صديقتي ونظر إليها وفي عيونه شرر من شدة الغضب، وقال: "خلص أسكتي".
طوال الطريق لم أستطع تخيل الموقف، فكيف استطاع أن يخرسنا باستغلاله، وكيف استطعت أن أتمالك نفسي وأنا أردد في داخلي "أنا شو دخلني اذا البنت وافقت يستغلها". لم أحاول التوقف عن النظر إليه والتمعن في ملامح وجهه لكي أعتاد مقابلة هذا النوع من البشر، النوع الذي يستغل في وضح النهار ليأكل مالاً ويطعم أولاده أموالاً ليست من حقه.
خرجت من التاكسي واتجهت أنا وصديقتي إلى جمعية رعاية المكفوفين، حيث إبصار القلب والعقل والضمير. مكفوفون يعملون في بعض الصناعات البسيطة ويحصلون منها على ثلاثة شواقل على كل قطعة، لا يسرقون ولا يستغلون. يحصلون على مبلغ لا يغطي تعبهم أو حتى معاناتهم، ومع ذلك ترى في وجوههم الابتسامة والرضا، كدت أبكي ولم أستطع أن أتمالك فيض مشاعري.
وصلت المنزل وفي داخلي ألم. حاولت التخفيف من حدته بالبكاء، بكيت لأن وجع الإنسانية مهم، وأمانتك جزء من إنسانيتك، والمال الحلال أهم من الأمانة، لأن واحدة منهم لا تكتمل إلا بحضور الأخريات. بكيت لأن الاستغلال في وضح شهر رمضان ظلم لإنسانيتك، بكيت لأن الأعمى مبصر القلب، والمبصر أعمى القلب، فقط في تلك اللحظة تمنيت لو امتلكنا البصيرة قبل البصر.
الكاتبة: آية العشيبي
المحرر: عبد الرحمن عثمان
*هذا المقال لا يعبر بالضرورة عن رأي دوز
2015-06-30 || 12:08