ما أجمل الأطفال، تجد في ابتسامتهم البراءة وفي تعاملاتهم البساطة، لا يحقدون ولا يحسدون وإن أصابهم مكروه لا يتذمرون، يعيشون يوماً بيوم بل ساعةً بساعة لا يأخذهم التفكير ولا التخطيط لغد، ولا يفكرون كيف سيكون وماذا سيعملون. أحاسيسهم مرهفة وأحاديثهم مشوقة وتعاملاتهم محببة، وإن أسأت إليهم اليوم في الغد سينسون وبكلمة تستطيع أن تمحو تلك الإساءة.
ذلك، لأن قلوبهم بيضاء لا تحمل على أحد، وبتعاملك اللطيف معهم أعطوك كامل مشاعرهم حباً واحتراماً وتعلقاً، صفات نعم طفولية ولكنها جميلة ورائعة. والأروع من ذلك أن تكون فينا نحن الكبار فنكتسب فنهم فن التعامل، ونأخذ منهم نقاء القلب وصفاء النفس. لكن براءة الأطفال قد تلتقي باضطرابات في نموهم، تؤثر عليهم فيما تبقى من حياتهم. وهنا تأتي الحاجة لوجود مؤسسات متخصصة في علاج وتأهيل الأطفال، الذين يعانون من مثل هذه الاضطرابات. وهنا تأتي الحاجة لمعهد النجاح للطفولة.
الفكرة والحاجة
يوضح مدير معهد النجاح للطفولة زاهر نزّال، أن فكرة تأسيس معهد متخصص باضطرابات النمو لدى الأطفال بدأت عام 2010، وظهرت الفكرة في ظل الحاجة لوجود معهد من هذا النوع في فلسطين. إذ أكدت دراسة قامت بها كلية الطب وعلوم الصحة في جامعة النجاح في تلك الفترة، وجود نقص بالخدمات المقدمة للأطفال الذين يعانون من إضطرابات النمو (مرض التوحد، مرض فرط الحركة المزمن، مرض صعوبة التعلم، حالات الصدمة والاكتئاب للأطفال)، الأمر الذي عزز فكرة تأسيس معهد متخصص في هذا المجال.
دعم فكرة المعهد وتأسيسه

من منطلق حرص جامعة النجاح على خدمة مجتمعها والنهوض به في كل المجالات، فقد كانت الجامعة أول الداعمين للفكرة. وبدأ العمل الفعلي لتأسيس المعهد عام 2012، ليتم الافتتاح عام 2014، بتمويل من مؤسسة النور الخيرية، وعهدة الفضل الجديدة وبإشراف مؤسسة التعاون.
أقسام المعهد والخدمات التي يقدمها
يتميز المعهد بأنه صرح مستقل متكامل بكافة مكوناته وكوادره، ويستقبل الأطفال الذين يعانون من إضرابات النمو حتى سن 16 عاماً، ويقسم بشكل رئيسي إلى ثلاث وحدات هي:
وحدة العيادات: وهي الوحدة المتخصصة بتشخيص الأطفال وعلاجهم وتأهيلهم، وتقوم بتقديم خدمات التشخيص والتقييم المستمر والتأهيل، كما تقوم ببناء خطط تأهيلية وتعليمية تكاملية باستخدام أفضل المعايير المستندة على أسس علمية. كما تقدم الوحدة جلسات تأهيلية فردية في مختلف أقسام العيادات التي تشمل: قسم العلاج الوظيفي، قسم علاج النطق، قسم الإرشاد النفسي، قسم التعليم الخاص. وتقدم الوحدة ايضاً صفوفاً تأهيلية تهدف لتأهيل أطفال التوحد مجهزة بكافة الوسائل اللازمة، التي تعمل على تنمية مهارات الأطفال (الحسية والعضلية والوظيفية) منظمةً بناءً على أسس علمية وعملية وعالمية. ويتميز التشخيص الذي تقدمه وحدة العيادات في المعهد، بأنه يتم بواسطة اختبارات عالمية معتمدة وحديثة تم شراؤها من أمريكا وأستراليا وترجمتها للعربية.
روضة المونتسوري: وهي روضة للأطفال الطبيعيين، تسعى إلى إنشاء بيئة تعليمية محفزة ومخططة بدقة، ليتمكن الأطفال من تطوير العادات الأساسية والمهارات التي تستمر معهم طوال حياتهم. ويهدف منهاج المونتسوري التعليمي العالمي في مرحلة الطفولة المبكرة إلى: تعزيز الرغبة في التعليم والاستكشاف، وتعليم الأطفال تماشياً مع طبيعة الطفل وقدراته بعيداً عن تلقينه بالحقائق والمعلومات، ودمج الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة وفق المعايير الخاصة بنظام مونتسوري. ويعتبر منهاج المونتسوري منهاجاً عالمياً يركز على تعليم الأطفال بالحواس اكثر من التعليم بالتلقين.
وحدة الأبحاث والتدريب: تقوم الوحدة بترجمة وتقنين الدراسات والاختبارات التشخيصية الخاصة باضطرابات الطفولة المبكرة المعتمدة عالمياً لكي تناسب بيئة المجتمع الفلسطيني، كما تقوم بتطوير شبكة معلومات خاصة باضرابات الطفولة المبكرة في فلسطين، لتكون الأساس للأبحاث العلمية، التي تهدف لمعرفة الاسباب والخصائص والظروف وطرق التدخل المناسب لهذه الإضطرابات. و تقوم الوحدة ايضاً بعمل الأبحاث والدراسات ونشرها عالمياً، لتعكس واقع اضطرابات الطفولة المبكرة في فلسطين، إضافةً ألى تقديم دورات تدريبية للأشخاص والمؤسسات في مجال إضطرابات الطفولة المبكرة، وفق حاجة المجتمع الفلسطيني.
كادر المعهد

يتميز معهد النجاح للطفولة بكادره، الذي يضم 14 متخصصاً في مجال اضرابات النمو لدى الأطفال، مما يجعله الأول من نوعه في فلسطين في هذا المجال. ويتكون الكادر من أخصائيين في علم النفس الإكلينيكي، وأخصائيي علاج وظيفي، وأخصائيي نطق، وأخصائيي تربية خاصة، إضافةً إلى ممرضي صحة نفسية. علماً أنه تم تأهيل الكادر وتدريبه على الأسس العلمية العالمية الصحيحة.
مرض التوحد الأكثر شيوعاً في المعهد
يعتبر مرض التوحد المرض الأكثر شيوعاً في المعهد، حيث يضم المعهد 14 طفلاً يعانون من هذا المرض. والتوحد هو مرض اضطرابات طيف التوحد (ASD)، وهو أحد اضطرابات النمو لدى الأطفال والأكثر شيوعا منها، ويتميز بمجموعة واسعة من الأعراض والتي تتوزع في ثلاث فئات:
مشاكل وصعوبات في التفاعل الاجتماعي: بما في ذلك قلة فهم وإدراك مشاعر الآخرين وأحاسيسهم.
ضعف مهارات اللغة والتواصل: بما في ذلك تطور اللغة المتأخر وعدم القدرة على بدء المحادثات أو المشاركة فيها بشكل صحيح.
أنماط غير معتادة من الفكر والسلوك الجسدي: بما في ذلك الحركات الجسدية المتكررة، مثل نقر أو التواء اليد (يفضل الطفل السلوك الروتيني ويمكن أن ينزعج أذا تغير الروتين).
يمكن أن تساعد مجموعة واسعة من العلاجات تشمل التعليم المتخصص والبرامج السلوكية على تحسين حالة الطفل.
المعهد والمجتمع

يعتبر معهد النجاح للطفولة جزءا أساسيا من نسيج المجتمع الفلسطيني، حيث يتعامل مع فئة مهمة جداً في المجتمع وهي فئة الأطفال. ويربط المعهد علاقة تعاون وتكامل مع مؤسسات المجتمع الحكومية وغير الحكومية، ويسعى المركز لزيادة تفاعله بالمجتمع من خلال وسائل التواصل الإجتماعي، لزيادة الوعي لدى أفراد المجتمع في مجال اضرابات النمو لدى الأطفال، وتسليط الضوء على هذه المشاكل في المجتمع بصورة أكبر.
مستقبل المعهد
رغم الدور الكبير الذي يلعبه معهد النجاح للطفولة منذ تأسيسه، إلا أن مستقبل المعهد يعتمد على الكثير من العوامل، من أهمها: التمويل، حيث إن معهد من هذا النوع بحاجة ألى تمويل مستمر يضمن له استمراره، إضافةً الى زيادة تفاعل المجتمع المحيط مع المعهد والخدمات التي يقدمها. ولكن مما لا شك فيه أن معهد النجاح للطفولة يبقى المعهد الأول من نوعه في فلسطين، الذي يُعنى بالاضرابات التي يمكن أن تؤثر على جيل المستقبل.
المصدر: جامعة النجاح