عائشة: كلمات عميد كليتي الجارحة سبب نجاحي
كلمات عميد كلية الطب الجارحة دفعت عائشة للإنجاز أكثر فأكثر، وهي الاَن تتابع دراستها للحصول على شهادة الماجستير. فعائشة استطاعت أن تبدع لأنها تخطت مرضها واتخذت من الاحباط الذي واجهته نقطة بداية.
عائشة، هي شابة غزا مرض الثلاسيميا دمها وجسدها، لكن معاناتها مع المرض هي قصة إصرار وعزيمة. تعرضت عائشة للكثير من المطبات المزعجة في حياتها، إلا أنها تحدت المرض ولم تقف مكتوفة اليدين مستسلمة له. تعود عائشة بذاكرتها للوراء لتستذكر طفولتها وكيف تعايشت مع المرض منذ الصغر، قائلة: "مرحلة طفولتي كانت هادئة جداً. لم أكن تلك الطفلة النشيطة، وكثيراً ما كنت أتجنب الاختلاط مع الأطفال الآخرين، ربما كان سبب هدوئي في طفولتي هما والديَّ؛ لأن اهتمامهما بي وخوفهما الشديد علي كانا زائدين".
وتضيف عائشة: "عندما كنت ألعب مع إخوتي أسمع أمي تقول (انتبهي حتى لا تتعبي). مُنعت من ألعاب كثيرة، والتي حسب اعتقادها ستضر بصحتي. وواجهت في المدرسة وحتى تخرجي من الثانوية الكثير من التعليقات الجارحة، مثل أم عيون صفراء وغيرها. وحُرمت أيضاً من أشياء جميلة وبسيطة، فمثلاً عندما تعلن المدرسة عن رحلة ما، أتحمس كثيرا لها، وتبدأ أمي بتجهيز الأطباق اللذيذة لي، ولكن كالعادة -يا فرحة ما تمت- ما أن استيقظ صباحاً حتى أجد نوبة المرض تمنعني من الذهاب".
تروي عائشة حكاية مشوارها الدراسي في الجامعة: "حينما حصلت على معدل عالٍ في الثانوية، ازدادت ثقتي بنفسي، وبدأت أشعر أنني قادرة على فعل أي شيء. ولمعت في رأسي فكرة دراسة الطب، فهو حلم طفولتي. لذا التحقت بكلية الطب وعلوم الصحة، لكن الثلاسيميا لم يسمح لي بإكمال دراستي ووقف في وجهي، وكأنه ينبهني ويذكرني أنه مازال هنا قريباً مني". وتذكر عائشة: "بدأ المرض يزداد، وأرهقني في الجامعة، مما أدى إلى خضوعي لعملية جراحية لإزالة المرارة. وأثر مرضي على مستواي الدراسي ومنعني من تأدية امتحاناتي، التي اضطررت إلى تأجيل مواعيد تأديتها".
عائشة: كلماته صفعة على وجهي
وفي نهاية الفصل، استدعى عميد الكلية عائشة، ولم تنس الأخيرة كلماته التي جعلتها تفتح صفحة جديدة في حياتها. "لو أعلم بوجود طالبة في الكلية بحالتك الصحية، لرفضتها"، هذه الجملة التي قالها عميد الكلية حُفرت في ذاكرة عائشة، وتقول: "بعد جملته هذه شعرت بأن أحداً صفعني على وجهي، وأحسست بضعف وعجز في حينها. أما الآن، فأنا شاكرة له ولكلماته التي كلما تذكرتها، أشعر بقوة تدفعني للإنجاز أكثر فأكثر".
وتكمل عائشة قصتها بصوت مرتجف: "ودعت حلمي، خارجةً من كلية كنت أرى نفسي فيها منذ صغري، والتحقت بعدها بإدارة الأعمال. في البداية، عانيت كثيراً وكرهت مرضي الذي جعلني أفقد حلمي، أما حماسي الذي تواجد بداخلي في أولى خطواتي لتحقيق حلمي، اختفى". تمكنت عائشة من جعل المرض صديقاً لها، بكونه نواة انطلقت منها لإنجاز وتحقيق حلمها. وتتابع: "بعد إنهائي لمرحلة البكالوريوس، شجعني أبي على متابعة دراستي للحصول على شهادة الماجستير، ولم أقتنع بها. لكن الاَن، أعمل على رسالة تحت عنوان "تطوير وتحسين جودة توفير الخدمات الطبية المقدمة لمرضى الثلاسيميا في فلسطين". ومن خلالها استعدت حلمي.
"ربما لم أستطع أن أكون طبيبة تعالج مرضى الثلاسيميا، أو تنقذهم من مضاعفات المرض، لكني قادرة على أن أكون طبيبة روحية، بخلق وتحسين جودة الخدمات الصحية لهم". وتوجه توجه عائشة رسالة إلى مرضى الثلاسيميا قائلة: "لا تجعلوا من المرض شماعة تعلقون عليها شعوركم بالإحباط أو الخسارة أو حتى الفشل. أحبوا مرضكم لتبدعوا في الحياة، فمن منا ليس مختلفاً".
يذكر أن مرض الثلاسيميا هو مرض وراثي مزمن وغير معد، يؤثر على صنع الدم في الجسم. وتبدأ أعراض الإصابة بالثلاسيميا في السنة الأولى من العمر. وتشير جمعية أصدقاء الثلاسيميا إلى أن عدد مرضى الثلاسيميا المسجلين حالياً في فلسطين يتجاوز الـ 800 مريض، إذ تحتل محافظة الخليل المرتبة الأولى من حيث احتوائها على أكبر عدد من المصابين. ويبلغ معدل عمر المرضى في الضفة الغربية من 18-19 سنة، إذ أكمل 46 مريضاً منهم دراستهم الجامعية وآخرين تزوجوا وكونوا عائلات. وتشدد الجمعية على ضرورة إجراء فحص طبي قبل الزواج، لأنها أهم طريقة للوقاية من مرض الثلاسيميا.
الكاتبة: مجد حسين
المحرر: عبد الرحمن عثمان
2015-07-10 || 16:39