لا تستنسخونا
بات مشهداً مألوفاً أن يجلس أفراد العائلة وكل فرد منهم "داقق راسُه" بهاتف محمول أو جهاز آخر. البعيدون جغرافياً، الذين يتواصل الطفل معهم أقرب إليه من أهله. فدوى قمحية تتناول ظاهرة ترك الأطفال يربّون أنفسهم بأنفسهم وعواقبها.
في البيت أو في المدرسة، يكون الطفل كالإسفنج يتشرّب ما يسمع ويرى من أقوال وتصرفات وحركات لا ندركها حتى يقوم بها الطفل نفسه. هذا طبيعي جداً، إلا أن ما ينقص الأهل والمعلمين في العادة، هو إدراكهم لأهمية ما يزرعون داخل الصغار من أفكار وتصورات أو رغبات، إما يجدونها من الطرافة فتفرحهم لوهلة، أو يغضبهم ما فاجأهم به الطفل، أو لا يلاحظون أن تصرفه "اعتيادي". أسعى في هذا المقال إلى التنبيه إلى أمرين: أولهما علاقة الطفل بالأبوين، والثاني هو نوعية التعبئة.
لا يخفى على الإنسان الذي يعيش في مجتمعنا الانحدار الأخلاقي الكبير، الذي يخيم على التعاملات بين الناس من جميع الفئات العمرية منذ إلقاء السلام وصولاً إلى المواضيع المناقشة والألفاظ المستخدمة. ونرى بالخصوص الشباب يتغنون بالشتائم والألفاظ النابية ولا يدركون حجم المأساة المجتمعية التي يدلون عليها لمستقبلنا، والتي ترجع بالتأكيد إلى الوضع الاقتصادي والسياسي وبالخصوص التعليم المتخلي عن دوره في إنشاء أجيال واعية ومتحضرة، وتربية الأهل غير الجدية وغير الساعية لمستقبل واعد لأطفالهم.
في هذه الجزئية، نرى تأثر الأب والأم على السواء بوسائل الاتصال التي تلهيهم عن أطفالهم، فهم يعيشون منفصلين عن غيرهم بانسجام تام في عالمهم الافتراضي بدل استثمار طاقتهم مع الأطفال، سواء باللعب أو بالكلام أو قراءة القصص أو مشاركتهم بحصص موسيقى أو غناء أو رياضة.
يعتقد كثيرون أن تربية الأطفال هي واجب فقط، لكن هذا غير صحيح، إذ إن الأطفال، إن تم استغلال الوقت معهم بما يمتع ويفيد، يكشفون عوالم أخرى على المربي ويمدونه بأحاسيس وحنان غير مشروط. وبحكم "التقليد"، يرى الأطفال أن عالمهم لا يحوي التواصل والتعامل الإنساني، فيجرون إلى الاستنساخ ويصبحون هم أصحاب اللعب الإلكترونية والخيالية، التي لا تطور قدراتهم ولا توسع حدود إدراكهم، بالتالي يخسرون طفولة عفوية وبسيطة مما كان لدينا قبل الاحتلال التكنولوجي.
كما أنه من المحبب التفكير والحكم على الأفكار التى نورثها للجيل الجديد، فمشاكل اليوم تحتاج حلولاً جديدة، بالتالي يجب تشجيع أخذ الأفكار الجديدة وتنمية حس الاستقلال والثقة لدى الطفل وتشجيعه على الإبداع والاكتشاف. وهكذا يكون الاهتمام بالمبادئ والقيم والأخلاق في الصغر ذا قيمة ثمينة فى إنشاء أفراد أصحاب رؤى وخطط يكون عمادها الشفافية والصدق والأمانة، وهو ما نحتاجه بشدة في يومنا هذا.
الكاتبة: فدوى قمحية
المحرر: عبد الرحمن عثمان
*هذا المقال لا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر دوز
2015-05-02 || 09:44