موقعان يغيّران المعادلة.. هل تعترف واشنطن بصوماليلاند؟
قد يمنح تصاعد التوتر في البحر الأحمر وباب المندب صوماليلاند فرصة تاريخية للحصول على اعتراف أميركي، مقابل موقعها الاستراتيجي وميناء بربرة.
قضت صوماليلاند 35 عاماً تطرق أبواب العالم بحثاً عن اعتراف لم يأتِ، لكن حرباً لم تكن طرفاً فيها قد تمنحها ما عجزت الدبلوماسية عن انتزاعه. فكلما امتدّ الصراع مع إيران من مضيق هرمز نحو البحر الأحمر وباب المندب، ارتفعت القيمة الاستراتيجية لشريطها الساحلي المطل على خليج عدن، ومعه ميناء ومطار قادران على خدمة السفن والطائرات الأميركية.
تبعاً لذلك، تبدو صوماليلاند كأنها هدية هبطت من السماء لواشنطن: موقع استراتيجي مقابل اليمن وقرب باب المندب، ونقطة ارتكاز محتملة تمنح الولايات المتحدة هامشاً أوسع للتحرك في مواجهة إيران والحوثيين والصين معاً.
واشنطن ومعضلة باب المندب
في الواقع، يرتبط الاهتمام الأميركي المتزايد بصوماليلاند بالحرب الدائرة حالياً في الخليج وتداعياتها على الممرات البحرية. فمع انتقال التوتر من مضيق هرمز باتجاه البحر الأحمر، تزداد أهمية باب المندب بوصفه واحداً من أكثر الممرات البحرية حساسية، وهنا تحديداً ترتفع القيمة الاستراتيجية لصوماليلاند وموقعها القريب منه.
ضع في اعتبارك أن نحو 12% من التجارة العالمية تمر عبر هذا المضيق، إلى جانب ملايين براميل النفط. كما ان أزمة البحر الأحمر خلال عامي 2024 و2025، وصولاً إلى يومنا هذا، كشفت حجم الثمن الذي يمكن أن يدفعه العالم: تغيير مسارات السفن، ارتفاع أقساط التأمين، زيادة استهلاك الوقود واضطراب سلاسل الإمداد.
لكن مهلاً، فالمسألة تتجاوز القدرة على ضرب سفينة هنا أو تعطيل أخرى هناك. السيناريو الأكثر إثارة يتمثل في انتقال الحوثيين، بما يمتلكونه من صواريخ باليستية مضادة للسفن ومسيّرات وألغام وقدرات مراقبة مدعومة إيرانياً، من تعطيل الملاحة إلى محاولة تنظيم حركة العبور أو فرض رسوم عليها في باب المندب. عندها، لن تواجه واشنطن أزمة يمنية فحسب، لكن تحدياً مباشراً يتعلق بمن يفرض قواعد المرور في أحد أهم شرايين التجارة العالمية.
وبناءً على ذلك، جاء اللقاء الأخير بين رئيس صوماليلاند عبد الرحمن محمد عبد الله وقائد قيادة العمليات الخاصة الأميركية في أفريقيا اللواء كلود ك. تيودور جونيور، في 1 آب/ أغسطس الحالي، خصوصاً أنه تطرّق إلى التعاون الأمني والمصالح الاستراتيجية في القرن الأفريقي.
وعليه، وبعد اعتراف إسرائيل بأرض الصومال في كانون الأول/ ديسمبر 2025، يطرح هذا الاجتماع المهم سؤالاً أكثر جدية من أي وقت مضى: هل تقترب واشنطن من الاعتراف بـِ "صوماليلاند" أيضاً؟
بربرة... الجائزة الحقيقية لواشنطن
عملياً، تمتلك أرض الصومال ساحلاً يتجاوز 850 كيلومتراً على خليج عدن، غير أن القيمة الاستراتيجية الأكبر تتركز في مدينة بربرة. ففي العام 2016، حصلت شركة "DP World" الإماراتية على امتياز لمدة 30 عاماً لإدارة ميناء بربرة، إذ جرى تحويله إلى أحد أبرز موانئ المياه العميقة على الساحل الشرقي لأفريقيا.
وفي العام 2020، قامت الشركة ذاتها بتحديث وتطوير مطار بربرة، الذي يقع بجوار الميناء، ليستوعب طائرات نقل عسكرية كبيرة، بعدما كان قد شُيّد خلال الحرب الباردة.
الأكثر أهمية في هذا المجال، أن وجود الميناء والمطار في نقطة واحدة يمنح واشنطن منصة نادرة تجمع الإمداد البحري والانتشار الجوي والمراقبة والاستخبارات على مقربة من اليمن وباب المندب. وبذلك تستطيع السفن الأميركية العاملة في المنطقة الحصول على الإمدادات من دون الارتهان الكامل للمنشآت الموجودة في جيبوتي، فيما تنطلق طائرات المراقبة أو المهمات ضد الحوثيين من موقع أقرب بكثير إلى مسرح العمليات.
صوماليلاند في مواجهة النفوذ الصيني
في الحقيقة، تتجاوز الاستراتيجية الأميركية الحساب الإيراني إلى الصين. ففي جيبوتي المجاورة تتمركز قوات أميركية على مقربة من أبرز قاعدة عسكرية صينية خارجية، وهذا ما يجعل بربرة خياراً يمنح واشنطن فرصة لتنويع انتشارها وتقليل اعتمادها على جيبوتي، وتثبيت موطئ قدم إضافي قرب أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
زد على ذلك أن صوماليلاند نفسها أثبتت استعدادها لمقاومة النفوذ الصيني؛ فمنذ إقامتها علاقات رسمية مع تايوان عام 2020، تحدّت الحكومة في هرجيسا ضغوط بكين، ورفضت التراجع، رغم تقارير عن حوافز مالية صينية كبيرة، بالتوازي مع تعزيز علاقاتها مع الإمارات وإسرائيل.
ليس هذا فحسب، فالمواجهة بينهما قد وصلت حتى إلى السماء. إذ سبق لبكين أن استخدمت المجال الجوي أداةً للضغط السياسي في محاولتها عرقلة رحلة للرئيس التايواني إلى إسواتيني، عبر تقييد المسارات الجوية في دول مجاورة، وهو نموذج يثير احتمال ممارسة ضغوط مماثلة على حركة الطائرات والمسؤولين الأميركيين أو على الدول المحيطة بصوماليلاند. وهكذا، لا تمنح بربرة واشنطن موقعاً مقابل اليمن فحسب، بل ورقة استراتيجية إضافية في قلب المنافسة المتصاعدة مع الصين في القرن الأفريقي.
وماذا عن كنوز صوماليلاند واستقرارها؟
تمتلك أرض الصومال احتياطيات غير مستغلة من المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة، في وقت تبحث فيه الولايات المتحدة عن بدائل لسلاسل التوريد التي تهيمن عليها الصين.
وهكذا، قد يفتح الاعتراف الأميركي الباب أمام استثمارات غربية واسعة في التعدين والبنية التحتية والخدمات اللوجستية، ويمنح واشنطن في الوقت نفسه مصدراً بديلاً للمعادن الاستراتيجية، بعيداً عن سلاسل التوريد التي تهيمن عليها الصين.
إلى جانب ذلك، تملك العاصمة هرجيسا ورقة الاستقرار. ففي مقابل استمرار الصومال في مواجهة حركة الشباب، حافظت صوماليلاند على مؤسسات أمنية وسياسية أكثر استقراراً نسبياً، وهذا بالضبط نوع الشركاء المحليين الذين تفضّل واشنطن بناء تعاون أمني طويل معهم.
انتظرت صوماليلاند الاعتراف الأميركي لعقود، لكن التحولات الجيوسياسية قلبت المعادلة: واشنطن اليوم قد تكون هي التي تحتاج إليها. وإذا استمر التصعيد عند باب المندب، فقد يتحول الاعتراف من خيار دبلوماسي إلى ضرورة استراتيجية.
الكاتب: علي دربج/ المدن
2026-08-22 || 08:44