"روضة المعارف" بالقدس: المدرسة سيرةً للوطن
يوثق كتاب "روضة المعارف الوطنية بالقدس 1906-1948" تاريخ واحدة من أبرز المؤسسات التعليمية الفلسطينية، مستعيداً دورها في بناء الهوية الوطنية وحفظ الذاكرة من محاولات الطمس.
يقف كتاب "روضة المعارف الوطنية بالقدس 1906- 1948" على أرض تُمحى أسماؤها. فالمبنى الذي احتضن روضة المعارف في البلدة القديمة بالقدس ما زال قائماً، غير أن سلطة الاحتلال الإسرائيلي أعادت تسميته "المدرسة العُمرية"، وهي واقعة يفتتح بها المؤلف كتابه ويجعل منها مبرر مشروعه كله، وهو كتابة تاريخ مؤسسة تعليمية فلسطينية حاربها الانتداب البريطاني وصادر الكيان الصهيوني مبانيها وطمس اسمها.
يقع الكتاب في أكثر من سبعمئة صفحة، ويتتبع المؤلف الباحث المصري سيد علي إسماعيل، تاريخ الروضة منذ تأسيسها العام 1906 على يد الشيخ محمد الصالح، حتى سقوط القدس الغربية العام 1948. ويستند إلى قاعدة وثائقية واسعة تضم الصحف الفلسطينية، والوثائق العثمانية، وسجلات المدرسة، وأرشيف العائلات، والصور والمراسلات والشهادات، ليعيد بناء سيرة المؤسسة عاماً بعد عام.
ويتناول المؤلف نشأة المدرسة وتطورها الإداري والتربوي، ومناهجها التعليمية، ودورها في ترسيخ اللغة العربية، وأنشطتها الثقافية والرياضية والكشفية والمسرحية، ومجلتها المدرسية، وعلاقاتها بالمؤسسات العلمية العربية. كما يوثق الشخصيات التي درست فيها أو زارتها، والمؤتمرات والفعاليات الوطنية التي احتضنتها، وصولاً إلى مصير مبانيها بعد النكبة وتغيير هويتها. وبهذا الاتساع يتحول تاريخ المدرسة إلى نافذة واسعة على الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية في القدس وفلسطين خلال النصف الأول من القرن العشرين، ويغدو الكتاب سجلًا لتاريخ مؤسسة أسهمت في تشكيل النخبة الفلسطينية الحديثة بقدر ما حفظت جانبًا مهمًا من الذاكرة الوطنية.
ويؤرخ المؤلف لمسيرة المدرسة منذ نشأتها كُتّاباً على يد الشيخ محمد الصالح العام 1906، مروراً بتحولها مدرسة ثم كلية صارت "إيتون العربية" كما وصفتها صحافة الثلاثينيات، وانتهاءً بإعلانها الأخير في كانون الثاني 1948 قبيل النكبة.
وتنبع أهمية الموضوع من أن تاريخ التعليم الفلسطيني قبل 1948 ظل هامشاً في المدونة التاريخية العربية، بينما يشكل استرداده اليوم فعلاً من أفعال انتزاع حق الفلسطيني في سرد ماضيه من قبضة سردية تصر على أن فلسطين كانت فراغاً حضارياً.
تتوزع محاور الكتاب على خمس دوائر متداخلة: سيرة المؤسس وفكرته التأسيسية القائمة على شعار "العلم والقوة"، ومقاومة تتريك التعليم العثماني بالتدريس بالعربية، ثم التأريخ الحولي للأعوام الدراسية بحفلاتها وامتحاناتها العلنية ورياضتها وكشافتها، ثم مجلة الروضة بريادتها في نشر مقالة المرأة والقصة القصيرة والنص المسرحي المدرسي، ثم "القاعة الكبرى" التي تحولت منبراً سياسياً للحاج أمين الحسيني وشهدت مؤتمر البراق 1929 والمؤتمر الإسلامي العام 1931.. وأخيراً نادي الروضة الرياضي، أول نادٍ عربي محترف في فلسطين، رعاه الملك فيصل الأول ثم الملك غازي. وهذه الدوائر مجتمعة تصوغ أطروحة الكتاب الضمنية: أن المدرسة كانت مؤسسةً لإنتاج الأمة قبل أن تكون مؤسسة لتلقين المعارف.
ولعل أحد أكثر المحاور إثارة في الكتاب يتمثل في العلاقة بين التعليم والهوية الوطنية. فقد نشأت روضة المعارف في سياق كانت اللغة التركية تهيمن فيه على التعليم الرسمي، بينما انتشرت المدارس الأجنبية والتبشيرية بلغاتها ومناهجها المختلفة. في هذا المناخ جاءت المدرسة لتجعل العربية لغة التعليم، وتحولها إلى أداة لبناء الوعي، لا إلى مجرد وسيلة للتواصل. ويقدم المؤلف تأسيس المدرسة في إطار هذا الخيار الحضاري، مقروناً بشعار "العلم والقوة"، الذي يعكس تصوراً متقدماً لدور المعرفة في نهضة المجتمع.
خطاب مضاد
على مستوى التحليل الثقافي، ينتج الكتاب خطاباً مضاداً للمحو يمكن قراءته في ضوء ما يسميه بيير نورا "أماكن الذاكرة". فحين تفقد الجماعةُ المكانَ الفعلي، يصبح النصُّ مكان الذاكرة البديل، ويتحول الأرشيف – قصاصات الصحف، شهادات الطلاب، عقود الإيجار الوقفية، سجل الزيارات – إلى حجارة رمزية تعيد بناء ما هُدم.
غير أن النص، وهو ينهض بهذه الوظيفة النبيلة، يعيد إنتاج أنساق مضمرة تستحق التوقف. أولها نسق "الفحولة الوطنية". فالمدرسة "مصنع الرجال"، والنادي يخلّص الشبان من "أدواء التخنث والترهل والميوعة"، كما جاء في رسالة سكرتيرها إبراهيم درويش، والتفوق يقاس بالميداليات والدروع والاستعراضات العسكرية.
وثانيها، نسق التراتب الاجتماعي، فلوائح لاعبي كرة القدم وأعضاء اللجان، تكاد تكون سجلاً لعائلة الحسيني وأعيان القدس، وعقد الإيجار الوقفي للعام 1921 يشترط قبول "عشرة تلامذة فقراء بلا أجرة" في مؤسسة يبلغ قسطها الداخلي ثلاثة وثلاثين جنيهاً، وهو ما يكشف وظيفة المدرسة في إعادة إنتاج النخبة ومراكمة رأس المال الرمزي لطبقة بعينها، وهي وظيفة يحتفي بها الكتاب ولا يحللها.
وثالث هذه الأنساق هو نسق الولاء المتحول. فالوثيقة البديعة التي نقلها المؤلف عن الرحالة الهندي حسن نظامي الدلهوي العام 1911 تُظهر أطفال الروضة يدافعون عن الخلافة التركية "بالأدلة الواضحة" ويهتفون للسلطان رشاد، ثم نجد المدرسة ذاتها بعد عقد واحد تعلّم أناشيد "أو تركنا للعداة فلسطين". وهذا الانتقال من الأداء العثماني إلى الأداء الوطني الفلسطيني ظاهرة ثقافية كبرى في تشكل الهوية، يمر عليها الكتاب من دون أن يتوقف عند دلالتها.
الهوية والسلطة واللغة
وتتقاطع في النص قضايا الهوية والسلطة واللغة تقاطعاً خصباً. فاللغة العربية عند الشيخ الصالح ساحة المعركة الأولى ضد قانون التتريك العثماني للعام 1869، ثم يصبح تعليم الإنجليزية بعد الانتداب سلاحاً براغماتياً تحت شعار "من تعلّم لغة قوم أَمِن مَكرَهم"، وفي هذا التأرجح بين اللغة هويةً واللغة أداةً درسٌ في سياسات اللسان يستحق تنظيراً أعمق مما منحه الكتاب.
أما السلطة فتتجلى في تحليل موقف إدارة المعارف الانتدابية التي خصصت لمدارس اليهود 2700 جنيه، وللمدرستين الوطنيتين 160 جنيهاً مشروطة بحق التفتيش، وهي وثيقة تكشف كيف تعمل السلطة الاستعمارية عبر آليات التمويل والرقابة قبل أن تعمل بالبندقية، علماً بأن المدرسة نفسها مارست ضبطاً صارماً على طلابها في الطوابير والاستعراضات. وأما من جهة الجندر، فيمثل الفصل المعنون "الفتاة الأولى" أكثر مواضع الكتاب حساسية: يحتفي المؤلف بريادة المجلة في نشر مقالة رقية خليل هداية، لكنه ينقل من دون تعليق اعتذار المجلة عن نشر مقالة سهيلا الشهابي عن "نهضة المرأة الشرقية"، وتقديمها لمقالة رشيدة الحاج درويش باشتراط "أن تبدأ المرأة بالمنزل والأمومة"؛ فالريادة النسوية هنا مؤطرة سلفاً داخل خطاب ذكوري يمنح المرأة القلم ويحدد لها الموضوع، وكان حرياً بالكتاب أن يسائل هذا التأطير بدلاً من الاكتفاء بتسجيل الأسبقية.
توثيق يطغى على التأطير
منهجياً، يعتمد المؤلف التوثيق الحولي القائم على الصحافة الفلسطينية (القدس، فلسطين، مرآة الشرق، الجامعة العربية، الدفاع)، معززاً بأرشيف عائلة الصالح ووثائق عثمانية مترجمة، وهو جهد أرشيفي استثنائي يذكّر بقيمة الصحافة مصدراً للتاريخ الثقافي. وتحسب له أمانة نادرة في الإفصاح عن الفجوات، كإقراره بأنه لم يعثر إلا على اسمَي طالبين اثنين طوال المرحلة العثمانية، وتصويبه خلطه السابق بين نشاط الكلية ونشاط النادي في أحد الهوامش.
غير أن ثلاث مآخذ تثقل البناء. أولها غلبة النقل الحرفي المطول، مثل خطبة تأبين فيصل بنصها الكامل، ومباريات كرة القدم شوطاً شوطاً، حتى ليتحول المؤلف في مقاطع كثيرة من محلل إلى ناسخ، ويغيب صوته النقدي خلف ركام الاقتباس.
وثانيها، الأسلوب الاحتفالي المفرط، فعلامات التعجب المزدوجة، ونداء "عزيزي القارئ" الإنشائي، وخطاب الأوائل المتواتر (أول مدرسة تضاء بالكهرباء، أول مرصد، أول كشافة، أول فريق محترف) الذي ينزلق بالتأريخ نحو المديح ويصادر على القارئ دهشته سلفاً، بل يبلغ حد التعالي حين يصف الكلية بأنها الأرقى "ربما في العالم كله".
وثالثها التفسير الغيبي لموقع الباحث؛ إذ يقدم المؤلف عمله بوصفه قدراً خصّه به الله، وهو تموضع يمنح النص سلطة تتجاوز حدود البرهان الوثائقي الذي هو أصلاً قوة الكتاب الحقيقية. وتجدر الإشارة إلى أن النسخة الإلكترونية المتاحة بين يديّ خلت من ترقيم صفحات الكتاب، فأحلتُ إلى الفصول والوثائق بمسمياتها.
وتُلاحَظ في عموم الكتاب هيمنة الأرشيف على السرد. فثمة وفرة في الوثائق، وهذه إحدى نقاط القوة، لكن تراكمها يجعل بعض الفصول أقرب إلى ملف أرشيفي منها إلى دراسة تاريخية مركّبة. كان يمكن للكاتب أن يمنح التحليل مساحة أوسع مقابل الاقتباسات الطويلة. كما أننا نلمس غياب الإطار النظري، فالكتاب يجمع مادة هائلة، لكنه لا يناقش مفهوم المدرسة الوطنية، ولا موقعها ضمن تاريخ التعليم العربي، ولا يقارنها بمؤسسات مماثلة في القدس أو دمشق أو بيروت أو القاهرة، لذلك يبقى الجهد التوثيقي متقدمًا على التأطير الفكري.
وثيقة ثمينة
وفي الميزان النهائي، يظل الكتاب وثيقة ثقافية ثمينة تتجاوز قيمتها حدود موضوعها؛ فهو يقدّم مادة خام هائلة لتاريخ التعليم والرياضة والمسرح والصحافة المدرسية في فلسطين الانتدابية، ويثبت أن النكبة اقتلعت بنية حضارية مكتملة النمو، وأن استعادة تفاصيلها - ملعباً ومجلة وقاعة محاضرات - ردٌّ معرفي على خطاب الفراغ الاستعماري.
وتكمن أهمية هذا العمل في أنه يختار نقطة ارتكاز مختلفة عن السرديات التقليدية لتاريخ فلسطين. فالتاريخ السياسي اعتاد الانطلاق من الثورات والانتداب والقيادات الوطنية، أما هذا الكتاب فيبدأ من الفصل الدراسي، ودفتر العلامات، والمجلة المدرسية، والمسرحية، وملعب كرة القدم، وسجلّ الزائرين، والشهادة الدراسية، والوثيقة الوقفية. وبهذا الاختيار يعلن المؤلف، عملياً، أن بناء الوطن يبدأ من بناء الإنسان، وأن المؤسسة التعليمية كانت أحد أهم مختبرات الهوية الفلسطينية الحديثة.
ومن الزاوية الثقافية، يمثل الكتاب نموذجاً لما يمكن تسميته كتابة المؤسسات المنسية. فالتاريخ العربي انشغل طويلاً بسِيَر السلاطين والزعماء والحروب، بينما بقي تاريخ المدارس والمكتبات والجمعيات والأندية في الهامش. ويأتي هذا الكتاب ليعيد الاعتبار إلى المؤسسة بوصفها وحدة أساسية في فهم المجتمع. فالمدرسة هنا ليست خلفية للأحداث، وإنما أحد صنّاعها.
ويكشف الكتاب أيضاً أن الاحتلال لا يقتصر على السيطرة على الأرض، بل يمتد إلى السيطرة على الذاكرة. فحين يتغير اسم المؤسسة، وتتبدل وظائف مبانيها، وتغيب سيرتها من الكتب، تصبح استعادة تاريخها فعلاً من أفعال مقاومة النسيان. هكذا يكتسب العنوان الفرعي "تاريخ يأبى النسيان" معناه الحقيقي، إذ يتحول إلى وصف لمهمة الكتاب بأكملها، وهي إعادة صوت مؤسسة حاولت التحولات السياسية أن تمحوه من السجل الوطني.
الكاتب: حسين جلعاد/ المدن
2026-07-22 || 19:24