"كلّنا غزة".. شهادة من قلب الإبادة
الفيلم الوثائي "كلّنا غزة" للمخرج الأرجنتيني هيرنان زين، الذي صوره على مدار عامين من الحرب في غزة، بالتعاون مع فريق من الصحفيين المحليين، يستكمل فيلم "مولود في غزة"، خلال عدوان 2014، والذي صور حياة عشرة أطفال، وبعد عشر سنوات يحاول العثور عليهم، ويكتشف مصيرهم في ظل الإبادة.
هناك أفلام وثائقية تُثقّف، وأخرى تُحرّك مشاعرنا، وقليل منها يُجبرنا على مواجهة ما نُفضّل تجاهله. "كلنا غزة"، للأرجنتيني هيرنان زين، ينتمي بوضوح إلى هذه الفئة الأخيرة. فهو ليس فيلماً مريحًا، ولا يدّعي ذلك. لا يسعى إلى إثارة رخيصة أو حياد مُزيّف. هو، قبل كلّ شيء، فيلم يدرك أن السينما الوثائقية فعل أخلاقي: أن تكون هناك، أن تُراقب، أن تُسجّل، وألا تُغضّ الطرف عندما يُصبح الواقع لا يُطاق.
لم يصل زين إلى غزة كوافد جديد. فارتباطه بالقطاع وسكّانه عميق وطويل الأمد. في العام 2014، أخرج فيلم "مولود في غزة"، الذي صوّر حياة عشرة أطفال خلال عدوانٍ إسرائيلي سابق. أصبح ذلك الفيلم علامة فارقة عالمية، حظي بإشادة النقاد والجمهور على حد سواء، ولا يزال يُستشهد به حتى اليوم كواحد من أوضح الشهادات السمعية البصرية على العنف البنيوي الذي يعاني منه الشعب الفلسطيني. بعد عشر سنوات، يستكمل فيلم "كلنا غزة" هذا المسار: مهمّته العثور على هؤلاء الأطفال، الذين أصبحوا الآن مراهقين أو بالغين، واكتشاف مصير حياتهم في أرضٍ يبقى فيها المستقبل وعداً هشّاً.
يمكن أن يتحول الذهاب لشراء الخبز أو زيارة صديق.. إلى حكم بالأعدام
تكمن أعظم نقاط قوة الوثائقي في قدرته على تصوير الشذوذ كأمرٍ عادي. يغمر زين المشاهد في حياة يومية، حيث يمكن أن يتحوّل الذهاب لشراء الخبز أو زيارة صديق، في غضون ثوانٍ، إلى حكم بالإعدام. هذه هي الحياة في غزة: مكانٌ لا يُعد فيه صوت الطائرة المسيّرة أو الطائرة العادية استثناءً، بل جزءاً من المشهد الصوتي اليومي. لا يبرز الفيلم هذه الفكرة بخطاباتٍ رنانة؛ بل يُظهرها عبر إيماءات ونظرات وصمت أولئك الذين تعلّموا العيش مع الخوف كخلفية دائمة.
يقيم المونتاج حواراً مؤلماً بين الماضي والحاضر. فمشاهدة صور فيلم "مولود في غزة" جنباً إلى جانب الصور الحديثة لا تكشف فقط عن مرور الزمن، بل أيضاً عن انعدام التقدّم، وتكرار الصدمات، وطبيعة الألم المُزمنة. الأطفال الذين تحدثوا آنذاك عن أحلامهم يحملون اليوم ندوباً ظاهرة وخفية. في غزّة، لا يداوي الزمن الجراح، بل يراكمها.
يتميز فيلم "كلنا غزة" بجودة بصرية مذهلة
يتميّز "كلّنا غزة" بجودة بصرية مذهلة. صُوّر الفيلم بدقة عالية جداً، دون أي معالجات جمالية لتنعيم الصورة، ليقدّم وضوحاً يكاد يكون صادماً. لا فلاتر، ولا تزييف. ما نراه ليس فيلم حركة ولا صوراً مُولّدة بالحاسوب. مع ذلك، قد يُظنّ أن العديد من المشاهد مأخوذة من فيلم حربي ضخم من بطولة ستالون أو شوارزنيغر. الفارق جوهري: هنا لا خيال، ولا أبطال لا يُقهرون، ولا تطهير. فقط جثث حقيقية، ومبانٍ حقيقية، وموت حقيقي.
تم تصوير مشاهد الفيلم على مدى عامين في قطاع غزة
صُوّرت مشاهد الفيلم على مدى عامين في قطاع غزة، بالتعاون مع فريق من الصحافيين والمصوّرين المحليين، في ظروف استثنائية فرضها الحصار ومنع دخول الصحافيين الأجانب إلى داخل القطاع. يُظهر زين موهبة لا تُنكر خلف الكاميرا. تأطيره، واختياره للزوايا، وطريقة تصويره لما قبل القصف وما بعده، كلها تتمتّع بقوة بصرية آسرة. صورٌ يحلم أي صحافي متحمّس بإرسالها إلى غرفة أخباره. الفرق أخلاقي: كاميرا زين لا تستغلّ الرعب، بل تشهد عليه. حضورها حضور شاهد إثبات يُخاطر بحياته، ويدرك أن المخاطرة جزء لا يتجزّأ من الالتزام بعملٍ وإخبار حقيقة.
هذا الجلاء في إثبات وتوثيق الجريمة مهمّ، لكنّه مقلق في الوقت ذاته. يبدو أحياناً وكأن الكاميرا تعلم مسبقاً بسقوط القنبلة، فتُصوّب نفسها بدقة متناهية. وعندما يسود الصمت، وعندما تسير في الشوارع المُدمّرة، يتضح حجم الدمار. كانت غزة تضمّ في يوم من الأيام مناطق تُذكّر بمنتجعات البحر الأبيض المتوسط، لكنها لم تكن يوماً مُناسبة لنخبٍ تتخيّل إعادة إعمار فاخرة. اليوم، حتى تلك الصور أصبحت من الماضي.
يستحيل مشاهدة "كلنا غزة" بموضوعية
يستحيل مشاهدة "كلّنا غزة" بموضوعية. فالصور والشهادات واستخدام التسجيلات الصوتية الأرشيفية منذ بداية الصراع تشكّل سرداً لا يدع مجالاً للشك. لا يكتفي زين بعرض الأحداث فحسب، بل يؤطّرها ويربط النقاط ليُكوّن لوحة فسيفسائية تُشير مُباشرةً إلى مأساة ذات أبعاد تاريخية. مصطلح الإبادة الجماعية، المستخدم غربياً بكثرة ويُتجنب في كثير من الأحيان، يكتسب هنا ثقلاً خاصّاً يصعب دحضه.
الوضع في غزة "غيض من فيض" والعالم يتجاهل هذه الفظائع
ينبّه زين إلى أن الوضع في غزة "غيض من فيض" وأن العالم يتجاهل هذه الفظائع، مصرحاً في حملاته على وسائل التواصل الاجتماعي: "إذا سمحت حكومات العالم بالإبادة الوحشية، فلن تتمكّن من رفع أصواتها عندما يحين دورها". بهذا، يواصل المخرج إرث صحافة تسمع وتبصر وتدرك أن قول الحقيقة يعني الوقوف إلى جانب الضحايا، بل ويُوسّعه. "كلّنا غزة" دليل قاطع لا يمكن إنكاره على ما يحدث. لا يُقدّم الفيلم عزاءً ولا حلولاً سهلة، بل يقدّم ما هو أشدّ وطأةً وأكثر ضرورة: ذاكرة، وأدلة، وتحدٍّ مباشر للمتفرّج (الغربي تحديداً). بعد انتهاء الفيلم، لا يمكن القول إننا لم نكن نعلم. فهذا العمل دليل قاطع لا يمكن إنكاره، لا يمكن تبريره، ولا يمكن تجاهله.
(*) رُشّح الفيلم لجائزة أفضل وثائقي ضمن منافسات جوائز غويا لعام 2026، وطالت المخرج تهديدات بالقتل في ظلّ أجواء متوتّرة عشية حفل توزيع الجوائز.
الكاتب: محمد صبحي/ المدن
2026-05-04 || 13:33