بينت المدربة أمينة أصلان من مركز الدراسات النسوية مفهوم الجندر وميزته عن الجنس، وقالت: "الجندر هو سلوك مكتسب بالتعلم والتربية ويرتبط بالموروث الثقافي من عادات وتقاليد، بالإضافة للقوانين والسياسات وغير ذلك. ويحدد الجندر دور الجنسين في الحياة الاجتماعية، وهو يتغير بتغير الزمان والمكان. ويستخدم الجندر للتعبير عن الرجل والمرأة". أما الجنس فهو النوع البيولوجي (ذكر وأنثى) ويحدد تبعا للجهاز التناسلي. ويولد به الإنسان ولا يتغير.
وكانت أمينة أصلان تتحدث في دورة نظمها مركز الدراسات النسوية حول النوع الاجتماعي (الجندر) والعنف ضد المرأة في مقر المركز بنابلس. واستهدفت الدورة طلاب جامعة النجاح من كليات الإعلام والقانون و التربية وعلم النفس. واستخدمت أصلان عدداً من التمرينات لإيصال الفكرة للمتدربين، إذ قسم الطلبة إلى مجموعات وطلب منهم الإجابة عن أسئلة منها: عندما كنت طفلة في مجتمعي كان علي أن...؟ عندما كنت طفلاً في مجتمعي كان علي أن...؟ لو كنت شابا في مجتمعي سيكون علي أن...؟ لو كنت شابة في مجتمعي سيكون علي أن....؟
وتنوعت إجابات المتدربين، إذ رأى بعضهم أن المجتمع يفرض على الطفلة أمورا من قبيل: "الانتباه للجلسة وعدم اللعب مع الأولاد وعدم ممارسة بعض الرياضات ككرة القدم، لاعتقادهم بأنها للأولاد، وعدم الخروج لساعات طويلة مقارنة مع أشقائهن الأولاد". وبالنسبة للأطفال الذكور، ذكر المتدربون أمورا فرضها المجتمع عليهم مثل: "عدم لبس الألوان التي يعتقد أنها مخصصة للفتيات كالوردي، وتحمل مسؤوليات إضافية والحرص على شقيقاتهم باعتبارهم ذوي مسؤولية وسلطة على الإناث". وذكرت بعض المتدربات أنهن لو كن شباناً لما "عاكسن" الفتيات كما يفعل بعض الشبان في الواقع.
[caption id="attachment_24828" align="alignnone" width="800"]

إحصاءات 2009: تشكل النساء في المجتمع الفلسطيني نسبة 49.2% يشارك منهن 15.2% في سوق العمل.[/caption]
واستعرضت أصلان، بمشاركة الطلاب، عددا من الأمثال التي يظهر فيها التمييز ضد المرأة، ومنها "دلل ابنك بغنيك ودلل بنتك بتخزيك" "اخطب لابنك وما تخطب لبنتك" "طب الجرة ع تمها بتطلع البنت لإمها".
وتم عرض فيديو من قناة "طيور الجنة" للأطفال يظهر فيه انتقاد طفل لإقدام أمه على العمل، إذ يبين أن أمه لن تكون قادرة على الاعتناء بأبنائها وزوجها عندما تتوظف. وانتقد المتدربون هذا النوع من المواد المنشورة للأطفال، إذ قالت طالبة علم النفس رونق: "هذا الفيلم يرسخ مفاهيم خاطئة ومجحفة بحق المرأة في ذهن الأطفال، وعلينا الانتباه لمثل هذه الرسائل المبطنة كي لا تصل لأبنائنا".
ليس الضرب وحده هو العنف
في اليوم الثاني من الدورة تحدثت المدربة اعتدال الجريري عن العنف والعنف ضد المرأة. وأتيح المجال لتوضيح مفهوم المتدربين عن العنف، إذ تمثل لدى البعض بـ: "الحرب، داعش، أي فعل أو قول يترك أثرا سلبيا في نفس شخص ما أو جسده، الظلم، كبت الحريات...". يُذكر أن تعريف العنف دولياً هو: أي سلوك لفظي أو فعلي بقصد أو بغير قصد يترك أذى على الصعيد الفكري أو اللفظي أو النفسي أو الجنسي أو الجسدي أو تقييد الحريات.
وأوضحت الجريري أن للعنف أنواعا وأشكالا، كالعنف السياسي، والذي يتمثل بالحروب والاحتلال. وهناك العنف القانوني، الذي قالت عنه: "في فلسطين نعاني من العنف القانوني بسبب تعطل المجلس التشريعي ونفاذ قوانين أردنية قديمة، بالإضافة لبقاء القوانين الحديثة بوضع المسودات وعدم إقرارها".
وأشارت الجريري إلى نقطة هامة في تحديد سلوك العنف عن غيره، إذ إن الشخص الذي يمارَس عليه العنف هو من يحدد إذا كان السلوك الممارَس ضده عنفاً أم لا، وذلك إن كان الشخص مدركاً لذلك. أما إن لم يكن مدركا لحقيقة العنف، فإن السلوك الممارس ضده هو عنف بالفعل. ومثال ذلك أن تكون امرأة اعتادت على رؤية أبيها يضرب أمها، وعند زواجها من رجل يضربها، وحتى وإن لم تدرك أن ذلك عنفا، فإنه في حقيقة الأمر فعل عنف. وكذلك الأمر بالنسبة للأطفال، إذ حتى لو قبلوا أن يمارس عليهم عنف جنسي، فإن ذلك حدث بغير إدراك ووعي منهم، لذلك فهم ضحايا عنف لم يفهموه.
أشكال العنف الجنسي
[caption id="attachment_24829" align="alignnone" width="752"]

الجريري: "الصمت عن العنف هو عنف مضاعف يقع على المرأة واستكمال لدورة حياته".[/caption]
وفي معرض الحديث عن العنف الجنسي، تم استعراض عدد من أشكاله، والتي تبدأ بالنكات ذات الإيحاءات الجنسية والنظرات والمعاكسات اللفظية، وانتهاء بالاعتداء الجنسي والاغتصاب. وحسب إحصائيات منتدى العنف ضد المرأة، فقد قتلت 11 امرأة على خلفية الشرف، منها 4 حالات في غزة و7 في الضفة عام 2009. وعلقت الجريري: "معظم المقتولات على خلفية ما يسمى بالشرف تم الادعاء بأنهن قتلن لهذا السبب لتغطية أسباب الجريمة الحقيقية".
وتتعرض النساء والفتيات لعنف داخل منازلهن أيضا، إذ بينت إحصائيات دائرة حماية الأسرة في جهاز الشرطة في الضفة وجود 126 حالة هروب لفتيات من منازل ذويهن، 56 منهن يعود السبب لتعرضهن لتحرش جنسي داخل العائلة. إضافة إلى 22 حالة يعود السبب لعنف جسدي أو لفظي من الأسرة. كما أدخلت 43 حالة خلال عام 2009 من فئات عمرية مختلفة على خلفية عنف اجتماعي وتهديد بالقتل. وتظهر إحصائيات دار رعاية الفتيات أن 19 فتاة وصلن الدار في نفس العام من جميع المحافظات.
لا لسياسة "الحب المشروط"
[caption id="attachment_24833" align="alignnone" width="2048"]

أدرك الطلبة من خلال الدورة دورهم في مواجهة العنف، كل في حدود صلاحيته كفرد وتبعا لاختصاصه[/caption]
وتطرقت الجريري إلى العلاقات الأسرية ودورها في خلق أو منع العنف من خلال التنشئة. وقالت إن كثيراً من سلوكيات الأهل غير المقصودة تعتبر عنفاً نفسياً لدى الأبناء. وقد يجعلهم ذلك أكثر عرضة للوقوع في استغلال جنسي. وأضافت: "بعض الأهل يضعون أبناءهم في حدود الحب المشروط، إذ لا يُشعرون أبناءهم بالحب أو العطف إلا بمقابل، كالحصول على علامات عالية في المدرسة أو قيامهم بمساعدة الأهل بالأعمال المنزلية".
الفرق بين العدوانية والعنف
كما فرقت الجريري بين العدوانية والعنف، فالعدوانية هي نزعة إنسانية تبرز للدفاع عن النفس، وهي مولودة. بينما العنف سلوك مكتسب وقابل للتغيير. وتتحول العدوانية إلى عنف عندما تصبح نمط سلوك سائد.
وتم تنفيذ تمرين للطلبة لإدراك معنى مقولة "العنف يمارس من المهد إلى اللحد"، والتي ذكرتها اعتدال الجريري، إذ قسم الطلبة إلى مجموعات طلب منها أن تذكر ما يقع على الإنسان من عنف ابتداء من مرحلة ما قبل الولادة مرورا بالطفولة المبكرة والبلوع وانتهاء بكبار السن. وتبين أن العنف يقع على الجنين قبل الولادة، إذ يعزف بعض الأزواج عن أخذ زوجاتهم إلى طبيب النساء لمراقبة حال الجنين في حال كان الجنين بنتا. بالإضافة لتهديد بعض الأزواج لزوجاتهم بالطلاق إن لم ينجبن أولاداً.
كما بينت أن العنف يمارس بجميع أشكاله على كبار السن أيضا، فإهمالهم وإبعادهم عن دائرة القرارات في العائلة هو عنف نفسي عليهم. بالإضافة لما يتعرضون إليه من اعتداءات جنسية.
[caption id="attachment_24830" align="alignnone" width="750"]

العنف يقع على المرأة في المجتمع الفلسطيني، حتى وإن كانت دمية حاملا![/caption]
ودعت الجريري إلى عدم الاكتفاء بقراءة الأرقام الإحصائية التي تبين عدد النساء المتعلمات في فلسطين والعاملات منهن، وقالت: "نسبة تعليم البنات عالية لكن بتخصصات محددة ومشروطة". وذكرت أنه في إحدى الأفلام الوثائقية التي أنتجها رئيس تحرير وكالة معا ناصر اللحام، والتي تحدثت عن تجارب لطلاب فلسطينيين يدرسون في كوريا، تبين أن ثماني طالبات فلسطينيات فقط يدرسن الطب في كوريا من أصل 240 طالب.
ومن أبرز نتائج العنف في فلسطين، ارتفاع عدد حالات الانتحار. وذكرت الجريري أنه خلال العام الماضي سجلت 437 حالة انتحار في فلسطين، 87 منها كانت حالات انتحار فعلي. وأغلب الحالات كانت من فئة المراهقين. وأوضحت: "هذه فقط الحالات التي وصلت إلى النيابة العامة، والمخفي أعظم".
دائرة حياة العنف: العنف يولد عنفاً
وبينت الجريري أن للعنف عدة مراحل، أولها "التوتر". وفي هذه المرحلة تتعرض المرأة لضغط نفسي ولحوادث عنف بسيطة نسبيا. وتحاول أن تتغلب عليها بتهدئتها للزوج أو ابتعادها عنه أو أن تكون مطيعة له. وأوضحت "تشعر المرأة هنا بأنها تتقبل عنف الرجل، ليس لأنها تؤمن بأنها تستحق الضرب وإنما لأنها تعتقد أن هذا سوف يخفف من غضبه". وتنكر هنا المرأة تعرضها للضرب وتحاول إيجاد التفسيرات المنطقية لتصرف زوجها وإيجاد المبررات لأعماله. وهو أمر لا يحد من العنف بل يساعد على تطور المرحلة الثانية.
وأوضحت الجريري: "كلما تقدمت هذه المرحلة تفقد المرأة قدرتها على التحمل ويزداد شعورها بالغضب. أما الزوج العنيف فهو لا يحاول السيطرة على تصرفاته، لكنه يمتنع عن هذا التصرف خارج البيت. وهذا التصرف الخاطىء يولد لديه الخوف من أن تقوم المرأة بهجره، لذلك يزيد من العنف تجاهها ظناً منه أنه هكذا يبقيها أسيرة".
وتحاول المرأة السيطرة على العوامل الخارجية كي لا تثير غضبه وتحاول الابتعاد عن الناس كي لا ينكشف الأمر. لكن مع مرور الزمن تفقد المرأة القدرة على التحمل والحفاظ على التوازن فتحاول الابتعاد عنه، أما هو فيزداد تعرضه لها ولا يمنحها إمكانية العيش بسلام، ويمكن أن تستمر هذه الفترة عدة سنوات.
[caption id="attachment_24848" align="alignnone" width="960"]

سيشكل المتدربون نواة لمجموعة ناشطة في قضايا العنف مع مركز الدراسات النسوية[/caption]
"الانفجار" هو عاقبة الصمت
في هذه المرحلة يزداد العنف حدة ولا يكون الرجل واعياً بأنه فقد السيطرة على تصرفه. يحاول إيجاد المبررات لنفسه، ويعتقد بأنه يحق له أن يعلمها درساً ويكف عن ضربها عندما يشعر بأنها تعلمت الدرس. في هذه المرحلة يكون من الصعب على المرأة أن تتنبأ بحدوث العنف، فتمر في ظروف قاسية وتعاني من الضغط والتوتر والخوف والاكتئاب وقلة النوم والأكل أو كثرته، بالإضافة لآلام في المعدة وأوجاع الرأس. وأوضحت الجريري: "إن إنهاء هذه المرحلة متعلق بالرجل، فالإمكانية الوحيدة للمرأة في هذه المرحلة هي الاختباء أو الهرب منه".
وتأتي أخيرا مرحلة "شهر العسل"، وهذه المرحلة مرغوب بها من قبل الطرفين. وتتميز بالحب واللطف وشراء الهدايا وغير ذلك. وهنا يعرف الزوج أنه بالغ في ردود فعله، لذلك يحاول أن يعوض الزوجة. ويعدها بأنه لن يكرر أفعاله ويطلب السماح، مما يولد في نفس المرأة الأمل بأنه سوف يتغير، ويشجعها على البقاء معه. وعند انتهاء هذه المرحلة تعود دوامة المرحلة الأولى، وهكذا دواليك.
لماذا تصمت المرأة على العنف؟
وأوضحت الجريري أن المرأة الواعية لا تصمت على العنف، بينما تضع النساء الخاضعات لاعتبارات المجتمع عددا من العوائق التي تحول دون رفضها للعنف. وقالت: "تخاف النساء من نظرة المجتمع لهن، فمجتمعنا لا زال حتى الآن ينظر للمرأة المطلقة بطريقة سلبية، فكيف لمن ترفض ضرب زوجها لها؟ أو من يعتدي والدها عليها جنسيا؟".
وأضافت "الاستغلال الاقتصادي وخوف المرأة من عدم إيجاد من يعيلها ويؤويها هو اعتبار تضعه النساء أمامهن أيضا". كما بينت أن خوف النساء من عدم إنصاف القانون لهن، أو أن يتعرضن لاعتداء من شخصية معروفة سياسياً أو اجتماعياً، قد يجبرهن على الصمت خشية التعرض لأذية أو "فضيحة". وفي سياق الحديث عن الاستغلال الاقتصادي، فقد أظهرت إحصاءات عام 2008 أن معدل الأجر اليومي للنساء في المجتمع الفلسطيني بالشيقل 76.5، في حين بلغ لدى الرجال 94 شيقلا.
[caption id="attachment_24827" align="alignnone" width="752"]

المجتمع، الاستقرار الاقتصادي، القانون، العادات والتقاليد، جميعها عقبات قد تدفع المرأة للصمت على العنف[/caption]
وتشير الإحصاءات إلى أن نسبة النساء معيلات الأسر في فلسطين بلغت 68% للعام 2008. أما نسبة الموظفات في القطاع العام في الخدمة المدنية فقد بلغت 30%. وهي نسبة غير ممثلة للنساء الفلسطينيات، خاصةً إذا تمت مقارنتها مع نسب تواجدها في مراكز صنع القرار.
الكاتبة: سارة أبو الرب
المحرر: عبد الرحمن عثمان