ضرب القنصلية: هل تكتفي إيران بــرد تكتيكـي؟ ومــاذا عــن الأردن؟
يتساءل تسفي عن ما لم يفعله اغتيال سليماني هل سيفعله اغتيال زاهدي، ويؤكد أنه في حال انتقال إيران للرد والهجوم المباشر سيضعها ليس فقط أمام إسرائيل، بل بالأساس أمام أمريكا. ويُشير إلى أن الحوار الدبلوماسي بين إيران وأميركا يُظهر سير الطرفين على حد السيف، وسعي الطرفان لتجنب الانزلاق إلى حرب شاملة.
قالت بدأت قواعد اللعب التي تديرها إسرائيل في الملعب السوري تتغير منذ كانون الأول، عندما قتل في قصف نسب لإسرائيل قرب دمشق راضي موسوي، الذي كان "منسق النشاطات" والمسؤول عن إرساليات السلاح من إيران الى حزب الله. بعد شهر، في 20 كانون الثاني، قتل مع آخرين أيضا حجة الله اوميد دوار، رئيس المخابرات في قوة القدس في سورية. لكن الضربة المباشرة للقنصلية الإيرانية في دمشق، التي قتل فيها قائد قوة القدس في سورية ولبنان الجنرال محمد رضا زاهدي، ونائبه محمد هادي رحيمي، وحسين إمام الله، وهو من المستشارين الإيرانيين الكبار في سورية وأربعة قادة آخرين، تعتبر تحطيما لقواعد المواجهة.
هذه الضربة أيضا يمكن أن تستدعي من إيران ردا مختلفا عن خطاب التهديدات الذي ميز حتى الآن سياسة طهران. يبدو أن الفرق المهم في هذه المرة يكمن في السابقة التي فيها إسرائيل، ربما يمكن التنازل عن الوصف الفارغ «عملية نسبت لإسرائيل»، قامت بمهاجمة مبنى حكومي لإيران وليس قاعدة عسكرية سورية يوجد فيها ضباط إيرانيون أو منشأة لحزب الله «تستضيف» مستشارين ومدربين إيرانيين.
هامش الإنكار
هكذا تحطم أيضاً ما اعتبر «هامش الإنكار» الذي مكن إسرائيل من التنصل، أو على الأقل عدم المصادقة بأنها تقف من وراء الهجوم. أيضا إيران لم تعد تختفي وراء الستارة المريحة التي سمحت لها بالقول بأن الهجوم هو جزء من الحرب بين إسرائيل وحزب الله، أو أن إسرائيل هاجمت أهدافا في سورية ليست لها صلة بها (لذلك هذا لا يعتبر مساً مباشراً بها، يقتضي منها الرد عليه). ولكن نفس «هامش الإنكار» هذا تم خرقه في السابق مرات كثيرة. إسرائيل هي التي قامت باستعراض قدرتها الاستخبارية عندما قامت بعرض مكتبة الأقراص التي سرقتها من الأرشيف الإيراني، وأن النشاطات المنسوبة لإسرائيل أضرت بشكل مباشر بأهداف في إيران، ومن بينها أيضا قتل شخصيات إيرانية رفيعة في إيران. ذروة هذه النشاطات كانت في تشرين الثاني 2020 عند تصفية رئيس المشروع النووي الإيراني محسن فخري زاده في طهران. أيضا في حينه اعتبر الهجوم كهجوم غير قواعد اللعب، ولكن حتى الآن إيران، التي وعدت بـ «انتقام شديد»، لم تنجح في رد أضراره التي تساوي الأضرار التي لحقت بالمشروع النووي، وبالأساس بمكانتها. أيضا حتى الآن لم تقم بالثأر لاغتيال قاسم سليماني الذي قتل بقصف أميركي في كانون الثاني 2020 أثناء جولة له في بغداد.
فحص رد إيران
يبدو أن رد إيران على تصفية العلماء لديها يجب فحصه بمنظار عسكري. وقد تم التعبير عن ذلك في زيادة نطاق تخصيب اليورانيوم ورفع مستوى التخصيب، ومنع الرقابة الكاملة على المنشآت النووية، وبشكل عام الاستعراض الصارخ لقدراتها التي لم يتوقف تطبيقها، بل ازداد رغم الأضرار التي أصابت المشروع النووي.
السؤال المطروح الآن هو هل ما لم يفعله اغتيال سليماني سيفعله اغتيال زاهدي. أي هل إيران ستتنازل عن قواعد المواجهة التكتيكية التي تتبعها والتي تسمح لها بالحفاظ على مكانتها الاستراتيجية، وتنتقل الى الهجوم المباشر الذي يضعها ليس فقط أمام إسرائيل، بل بالأساس أمام الولايات المتحدة. عملياً، هذا الهجوم سيفصلها عن محور المقاومة، الذي تلعب فيه دور المساعد والموجه والمستشار والممول، وأن تقوم بفتح جبهة مستقلة، التي ستحولها الى هدف.
رسائل تهديد لإيران
هذه المعضلة معروفة جيداً في طهران. مثلاً، بين واشنطن وطهران يوجد منذ بداية الحرب حوار، غير مباشر ولكنه واضح، وفيه تنقل الولايات المتحدة رسائل مهددة لإيران، التي بدورها، كما يبدو حتى الآن، استوعبت هذه الرسائل. بعد التهديد الأميركي والهجمات على قواعد المليشيات المؤيدة لإيران في العراق، أمرت الأخيرة المليشيات بالتوقف عن مهاجمة الأهداف الأميركية في العراق وفي سورية. بالتالي، منذ 4 شباط يوجد هدوء في هذه الساحة.
مفاوضات
إيران بررت هذا التوجيه للمليشيات المؤيدة لها بذريعة أنها لا تريد المس بتقدم المفاوضات بين العراق والولايات المتحدة بخصوص انسحاب جميع القوات الأميركية من العراق. وقد كانت هناك أيضا مفاوضات غير مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران بوساطة سلطنة عمان، التي ضغطت فيها على إيران من اجل «تهدئة» الحوثيين. هذا الحوار لم يثمر أي نتائج، ويبدو أن أحد أسباب ذلك هو أن إيران لم ترغب في فحص قدرتها على الضغط على الحوثيين الذين يوجد لهم جدول أعمال مستقل. حتى الآن النتيجة الأساسية للحوار الدبلوماسي بين إيران وأميركا هي طبيعة المواجهة بين إسرائيل وحزب الله، التي فيها الطرفان يسيران على حد السيف، ويمدان فيها حدود ردهما، لكنهما يمتنعان عن الانزلاق الى حرب شاملة، رغم أنه في ظروف أخرى كانت مواجهة كهذه من حيث المستوى والحجم ستحصل على اسم حرب.
تسيلح الأردن
في الحقيقة توجد لإيران قدرة على استخدام مبعوثيها وتحويلهم الى شركاء كاملين في حربها إذا قررت شن هذه الحرب. في هذا الأسبوع مثلا خاف الأردن من البيان الذي أصدره المسؤول العسكري في مليشيا حزب الله – العراق، أبو علي العسكري، والذي جاء فيه بأن قواته مستعدة لتسليح وتدريب في الأردن 12 ألف مقاتل، الذين سيذهبون الى محاربة إسرائيل. حتى أنه توجد للعسكري خطة لضرب العلاقة بين الأردن وإسرائيل وفصل الشوارع التي تربط بين الدولتين ومنع نقل البضائع لأنه «إذا كانت نشاطات المليشيات في العراق تحرج الحكومة العراقية فنحن يمكننا إيجاد البدائل المناسبة»، حسب تعبير الناطق بلسان المليشيا علي فضل الله.
رئيس الحكومة العراقية يتوقع أن يلتقي مع الرئيس الأميركي بعد عشرة أيام تقريبا. وقد سارع الى الإعلان بأن دولته لن تسمح بمشاركة القوات العراقية في دول أخرى. في الأردن نفسه، الذي يكافح منذ أسبوعين التظاهرات ضد إسرائيل، تم عقد نقاشات عسكرية مستعجلة من اجل الاستعداد لسيناريو ستتحول فيه المملكة الى ساحة جديدة لـ «محور المقاومة». أيضا ازدياد نشاطات الحوثيين في البحر الأحمر يعتبر خياراً، لكن هذا يرتبط باستعدادهم لتحمل ضربات أقسى بكثير مما يتعرضون له من قوات التحالف البحري الذي شكلته الولايات المتحدة.
التهديد الأكبر
إن استخدام حزب الله كقوة للرد على تصفية زاهدي ما زال يعتبر التهديد الأكبر الذي يمكن لإيران وضعه. ولكن القيود السياسية والاستراتيجية التي تقيدها في لبنان وترسم حدود المواجهة بين إسرائيل وحزب الله لم تتغير بسبب عملية التصفية. بالأساس طهران تعمل في داخل معادلة استراتيجية فيها، خلافاً لإسرائيل، لا يوجد لها دولة عظمى شريكة تنضم إليها في حالة الحرب، إذا ما هاجمتها القوات الأميركية.
رد تكتيكي
إيران لا يمكنها الاعتماد حتى على روسيا (التي سارعت الى عقد مجلس الأمن بعد تصفية زاهدي) كي تقوم بإلغاء اتفاق التنسيق مع إسرائيل، الذي في إطاره توجد لإسرائيل حرية في سماء سورية. هذه الاعتبارات يمكن في هذه الأثناء أن تلزم إيران في التمسك برد تكتيكي لا يضعها في محل الاختبار، أو يعرض ذخرها للخطر.
في نفس الوقت يجب التساؤل عن الفائدة التي تجنيها إسرائيل من هذه التصفيات الشخصية، التي حتى الآن لم تنجح في إحداث أي تغيير في سياسة إيران، سواء في مجال الذرة أو في ساحة الحرب في سورية وفي لبنان. في الحقيقة في شهر شباط قلصت إيران عدد القادة من المستوى الأعلى والمتوسط الذين يخدمون في سورية، ولكنه لا ينقصها القادة المدربون والذين لهم تجربة، الذين في أي لحظة يمكنهم ملء الفراغ الذي تركه القادة الذين قتلوا أو ماتوا بشكل طبيعي. صحيح أن هناك قادة مثل سليماني، الذين غيابهم يخلق فجوة في القيادة يصعب أحيانا ملؤها، ولا نعرف كيف كانت ستكون جبهة لبنان أو العراق لو أنه ما زال على قيد الحياة. ولكن حقيقة أن وريثه إسماعيل قاءاني هو شخص باهت نسبيا وقدرته كقائد واستراتيجي أقل من قدرة سلفه، لا تؤدي إلا الى تقوية صناع القرار في حرس الثورة الإيراني الذين يخضعون هم أنفسهم للاعتبارات السياسية الزعيم الأعلى علي خامنئي.
الكاتب: تسفي برئيل - هآرس
2024-04-05 || 12:37