هآرتس: الجيش الأكثر أخلاقية في العالم "يَتَحَيْوَن"!
يتحدث الكاتب عوزي بنزيمان عن ما يتعرض له الفلسطينيون على يد جنود الجيش الإسرائيلي من تعذيب جسدي ونفسي، ويؤكد على وجود شهادات وتقارير تكشف هذه الانتهاكات، مشيراً إلى أن هذا السلوك ليس بجديد فهو نمط سلوكي مستمر.
أورد التقرير الذي نشرته الـ «بي.بي.سي» في الأسبوع الماضي شهادات لأطباء وممرضين في مستشفى ناصر في خان يونس حول عمليات تنكيل لجنود الجيش الإسرائيلي. حسب وصفهم فان الجنود قاموا بضربهم بالعصي والمواسير وأعقاب البنادق واللكمات. وقد تم نقلهم بالملابس الداخلية الى داخل إسرائيل من اجل التحقيق، وطوال الطريق قام الجنود بإهانتهم وصب المياه الباردة عليهم. أحدهم، الدكتور احمد أبو صبحة، قال إن أحد الجنود قام بضربه على يده الى أن كسرت، بعد ذلك تم أخذه الى المراحيض وهناك أطلقوا عليه الكلاب. عمليات التنكيل استمرت أيضا خلال فترة اعتقالهم الى أن تمت إعادتهم الى غزة.
الفلسطينيين ضحايا للتعذيب الجسدي والنفسي
في «وول ستريت جورنال» نشرت شهادات أخرى تفيد بأن الفلسطينيين المشبوهين الذين تم أخذهم من القطاع الى إسرائيل تعرضوا للتنكيل الجسدي والنفسي. وقد تم خلع ملابسهم واحتجازهم في العزل وضربهم أثناء التحقيق، وبين حين وآخر تم منعهم من النوم (13/3/2024). قبل ذلك نشرت «هآرتس» بأن 27 معتقلا غزيا ماتوا منذ بداية الحرب في منشآت عسكرية في إسرائيل، التي تم احتجازهم فيها («هآرتس»، 7/3). المعتقلون ماتوا وهم محتجزون في قاعدة سديه تيمان قرب بئر السبع وفي قاعدة عناتوت قرب القدس وفي منشآت أخرى في إسرائيل.
نمط سلوكي مستمر وليس جديد
هذه ليست ظاهرة ظهرت مؤخرا فقط، وهي ليست مجموعة من الحالات الاستثنائية. بعد شهر على اندلاع الحرب نشر نير حسون وهاجر شيزاف «لقد بدأ الكثير من الجنود يوثقون أنفسهم وهم يقومون بضرب وإهانة الفلسطينيين المعتقلين، ونشر أفلام فيديو في الشبكات الاجتماعية. الفلسطينيون تم توثيقهم في أفلام وأيديهم مقيدة ووجوههم مغطاة، وفي بعض الحالات تم توثيقهم وهم عراة أو يرتدون بشكل جزئي. في بعض الأفلام كان الجنود يضربون الفلسطينيين ويشتمونهم. وفي أفلام أخرى يجبرون المعتقلين على قول أشياء أو التصرف بشكل مهين» («هآرتس»، 8/11/2023).
التعذيب والإهانة كابوس لمعتقلي غزة
موقع «محادثة محلية» نشر في 3/1 شهادات لأربعة معتقلين فلسطينيين اعتقلوا في غزة وتم إطلاق سراحهم بعد التحقيق معهم. وقد تحدثوا عن تواصل غير منقطع للإهانة والتعذيب وموت أصدقاء في منشآت الاعتقال العسكرية. «حسب الكثير من الشهادات»، كتب يوفال أبراهام في الموقع «الأساليب تشمل التقييد بالجدار لساعات والضرب في كل أنحاء الجسم وإطفاء السجائر على الظهر والرقبة والتكبيل وعصب العيون في معظم ساعات اليوم. وحسب الشهادات فان الجنود تبولوا على المعتقلين وقاموا بالاعتداء عليهم بالضربات الكهربائية واحرقوا جلودهم بالقداحات وبصقوا على وجوههم ومنعوهم من النوم والأكل والذهاب الى المرحاض حتى قضوا حاجتهم على أنفسهم».
ما وراء سطور التعذيب والتنكيل
هذه أعراض حيونة في الجيش الإسرائيلي، وطالما أنها مستمرة فأنها تتفشى وتصيب بالعدوى وحدات أخرى وجنودا آخرين. يبدو أن هذه نتيجة متوقعة يجب عدم التفاجؤ منها: الحرب هي وضع فيه يتحرر الحيوان الذي يوجد داخل الإنسان ولا مناص من التسليم بمظاهر الحرب المروعة، خاصة في الظروف التي وجدت فيها إسرائيل نفسها في صباح 7 تشرين الأول. ما هو الضرب والتعذيب الذي يقوم به الجنود هنا وهناك للمعتقلين أو الأسرى الفلسطينيين أمام المذبحة المنظمة والجهنمية التي نفذتها حماس وملحقاتها بدون تمييز ضد المئات من الإسرائيليين، الأطفال الرضع والنساء والشيوخ والمرضى؟
بين شرعية السلوك وأخلاقيات الحرب
الجندي الذي يقوم بالتنكيل يحصل كما يبدو على الشرعية على سلوكه المرفوض من الفضاء الذي يعمل فيه: هو جزء من فرق كبيرة تزرع الدمار والموت الكبيرين في قطاع غزة. في نهاية المطاف تم استدعاؤه للدفاع عن الوطن من قبل نظام جامح شجع في السنة الماضية على التنكيل بالفلسطينيين وطمس الحدود بين المسموح والممنوع بالنسبة لهم.
ساحة الحرب التي وضع فيها مليئة بالعنف وتعرض حياته للخطر؛ هو في نهاية المطاف يحمل معه مشاهد وأصوات الرعب التي أحدثتها حماس في 7 تشرين الأول؛ أبناء عائلته وأصدقاؤه سقطوا أو تم اختطافهم؛ هو مملوء بمشاعر الانتقام والدولة زودته بالسلاح والوسائل القتالية الأخرى كي ينفذ مهمته. في هذه الظروف فانه لا يوجد كما يبدو أي مكان لمحاسبته على سلوكه الشخصي أمام العدو الذي وقع في يده.
لكن القانون والأخلاق والحكمة تقتضي التصرف بشكل مختلف، وتطبيق القانون على الجنود الذين يقومون بالتنكيل. اللقاء بين المقاتل الإسرائيلي والأسير الفلسطيني هو لحظة الحقيقة التي تطفو فيها شخصية وقيم الجندي (المحسوب على «الجيش الأكثر أخلاقية في العالم») أمام من اعتبر عدوه (على الأغلب الشكاوى عن التعذيب تأتي من فلسطينيين ليسوا مقاتلين). المزيد من الجنود لا يجتازون اختبار المعايير المناسبة ويلحقون العار بالدولة والجيش. من ناحية التفاخر والتقدير لتفاني جميع جنود الجيش الإسرائيلي واستعدادهم للتضحية فانه لا يجب الاستمرار في تجاهل خطر فقدان صورة الإنسان التي تكمن في ممارسة الانتهاكات الآخذة في التفشي في صفوفه.
من المسؤول؟
المسؤول عن انتزاع الرؤية التي تبرر التنكيل من قلوب الجنود هو رئيس الأركان. هرتسي هليفي (بالمناسبة، أنا اعرفه منذ طفولته) دعا خلال الحرب عدة مرات الجنود للتصرف بشكل مناسب والحفاظ على «قيم الجيش الإسرائيلي» وطهارة السلاح.
للأسف الشديد، في الظروف الحالية فان المواعظ والأقوال الأخلاقية ليست الوسيلة الناجعة للتعامل مع مظاهر الحيونة. من اجل اجتثاث هذه الآفة مطلوب قبضة حديدية من القيادة العليا، يجب اعتقال الجنود الذين يمارسون التنكيل، والتحقيق معهم ومحاكمتهم ومعاقبتهم بشكل صارم. يجب على كل الجيش الإسرائيلي الشعور بأن قادته غير مستعدين لاستيعاب التنكيل بالفلسطينيين، سواء في غزة أو في الضفة، لأن هذه الانتهاكات غير قانونية وغير أخلاقية وأيضا تضر بمصالح الدولة.
الكاتب: عوزي بنزيمان/ هآرتس
2024-03-22 || 12:16