دور الإعلام في قضايا القتل على خلفية الشرف
هل مطلوب من الإعلام أخذ موقف من قضية القتل على خلفية الشرف؟ وكيف يتعامل الإعلام في فلسطين مع هذه القضية؟ رحمة خالد استطلعت آراء بعض الإعلاميين من مدينة نابلس عن كيف يرون دورهم في هذه القضية من خلال خبرتهم وتجاربهم المهنية.
واحدة لم ترحمها الإعاقة من سياط المجتمع وتقاليده الظالمة، لتزهق روحها على خلفية الشرف. وأخرى يعيدنا مشهد قتلها إلى عصر يوسف، مع فارق أن الرحمة كانت مفقودة، حين ألقيت في البئر بعد أن فارقت الحياة. وثالثة ورابعة وخامسة ونساء وفتيات يقتلن على خلفية الشرف وأعدادهن في تزايد. في كل مرة تصبح الكلمات في حنجرة المذيع مشرحة، لكن هناك ما يستحق الوقوف عنده للسؤال: أين هو دور السلطة الرابعة في الحد من هذه الظاهرة الآخذة في الاتساع؟ وهل كان يكفي الموقف التراجيدي الحزين أمام عزاء ملطخ بدم بريئة قتلت في صباح صامت؟
متى سيتحرر الإعلام من إطار العلاقة الببغاوية التي تحيط بقضية القتل على خلفية الشرف؟ فمنذ أعوام لم يخرج المشهد الإعلامي عن إطار نقل المشهد كما هو دون التطرق لزواياه الأخرى، فجميع الحالات التي رصدت لمقتل النساء كانت التغطية الإعلامية لها نقلا للخبر، أما محاسبة المجرمين فلا زال يأخذ النصيب الأكبر من التعتيم الإعلامي.
كانت ثمر منذر زيدان ذات الـ 33 ربيعاً هي الضحية رقم 25 لعام 2013، فكم يجب أن يقتل من نساء فلسطين قبل تطبيق أحكام رادعة لمنع هذه الجرائم، أو كي يتنبه الإعلام لضرورة تغيير منهجيته ليصبح أداة صارمة تقف في وجه القتل على خلفية الشرف المزعوم؟ وحسب إحصائيات مركز المرأة للإرشاد القانوني، وصل عدد الضحايا بين عامي 2007 و2010 إلى 29 ضحية. وفي عام 2011 تم رصد أربع ضحايا، وفي العام الذي تلاه تم تسجيل 13 ضحية. أما في عام 2013، فقد حملت الضحية الأخيرة الرقم 26.
حدود أم نهج؟
ما الذي يبرر اكتفاء التغطية الإعلامية لهذه الجرائم بخبر لا يتجاوز مساحة صغيرة في نشرة الأخبار أو حتى في الجريدة اليومية، لتتناقله الألسن فيما بعد كمشهد سينمائي ينتقص الجزء الأهم: ألا وهو تجريم المجرمين؟ وهل تحكم الحدود التي تضعها السياسة الإعلامية طريقة تغطية مثل هذه الأخبار أم أن المتحكم هو نهج متوارث عبر الإعلاميين والسياسات الإعلامية؟
يعبر الصحفي عماد سعادة عن دور الإعلام في تغطية مثل هذه القضايا فيقول: "أعتقد أن الإعلام لدينا مقصر في تعاطيه مع هذه الظاهرة سواء من حيث التغطية أو إجراء التحقيقات الصحفية". ويتابع سعادة "نرى أنَ معظم الإعلاميين يعتمدون في تغطية مثل هذه الأخبار على ما تنشره الجهات الرسمية كالشرطة أو المحاكم ويكتفون بذلك". وهو يعتقد أن حساسية الموضوع وتداعياته الكثيرة تدفع الصحفيين إلى تجنب الغوص في التفاصيل. ثم يشير إلى نقطة تتعلق بعمل الصحفي نفسه ويقول: "هناك حدود في تغطية القتل على خلفية الشرف يضعها الصحفي لنفسه قبل أن تحددها له المؤسسة الإعلامية، وذلك بسبب التهديد للصحفي لغياب أي جهة تتبناه وتدافع عنه".
[caption id="attachment_21322" align="aligncenter" width="744"]

يرى الإعلامي سامر خويرة أن "الشرف" قد يكون ستاراً لقتل النساء لأسباب أخرى كالميراث مثلاً[/caption]
ولا يُقصر الإعلام في تغطية الجرائم في هذه القضايا، بل يشمل التقصير الحديث عن الندوات والفعاليات التي تطالب بالحد من هذه الظاهرة وإعادة النظر في القوانين المشرَعة بحقها. ومثال ذلك حين طالب مشاركون في ندوة أقيمت في البيرة بقرار رئاسي يجرم قتل النساء في فلسطين خاصة ما يسمى القتل على خلفية الشرف، بالإضافة لإجراء تعديل على القوانين التي تحمي المجرمين وتمنحهم عذرا للقيام بذلك. هنا لم تحظ هذه المطالب بمتابعة إعلامية كافية.
ويقول أحمد حسن، وهو طالب صحافة وإعلام: "الإعلامي والصحفي يكتفي بأخذ المعلومات من مصادر موثوقة أو من الجهات المقربه للضحية مع أخذ الحيطة والحذر، لأن الجاني في الغالب يكون أحد أفراد عائلتها، فيتم التستر على تفاصيل الجريمة". ويضيف: "التغطية الإعلامية لقضية القتل على خلفية الشرف تسير على نهج واحد وهو نقل الخبر، والسبب هو عامل الخوف والتهديد من الأطراف التي يمسها الخبر أو يجرمها".
تسليط الضوء على القانون
يرجع قانون العقوبات المطبق في فلسطين إلى القانون الأردني الصادر عام 1961، وفي حين تم تحديثه في الأردن لم يحدّث في فلسطين. وقوانين "العذر" تشجع على العنف ضد المرأة حيث إنَها تستغل عادة للإفلات من جريمة القتل على خلفية الشرف.
وتصف مقدمة البرامج في راديو حياة، الصحفية سما ملحيس، الإعلام الفلسطيني بالسلبي فتقول "إعلامنا الفلسطيني سلبي جدا لأن قضية القتل على خلفية الشرف ليست مجرد خبر ينقل بل يجب أن يدرسها الإعلام من كافة زواياها من حيث المجريات القانونية والثغرات الموجودة في القانون، والتي تمثل مخرجا لكل المجرمين". وتطالب ملحيس المشهد الإعلامي بتسليط الضوء على القانون الفلسطيني الساري منذ عهد الإدارة الأردنية وحتى الانتداب البريطاني والحكم العثماني، رغم أن القوانين البريطانية والأردنية قد تغيرت في بلادها.
ومن واجب الإعلام تسليط الضوء على الثغرة التي تملصت وسقطت منها كافة المساءلات القانونية وتوقفت بناءً عليها مجموعة لا يستهان بها من القوانين: وهي تعطل المجلس التشريعي الفلسطيني منذ عام 2006 على اعتبار أنه الجهة المخولة بإصدار القوانين.
[caption id="attachment_21321" align="aligncenter" width="960"]

الإعلامي نواف العامر: "مسؤولية كبيرة تقع على عاتق الإعلاميات الفتيات في خوض غمار هذه القضية"[/caption]
وتقول ملحيس عن هذه الحيثية: "هناك فساد كبير في قضايا متعددة داخل المجتمع، وهي لا تقتصر على القتل على خلفية الشرف، ومن هنا يتحتم على الإعلام توجيه بوصلته إليها لأنها الركيزة الأساسية في حل القضايا المجتمعية الحساسة وخاصة القتل على خلفية الشرف، الذي يجد مجرموه من الثغرات القانونية طوق نجاة لفعلتهم". وتساهم التشريعات السارية إلى حد كبير في تغذية الوعي الجماعي بأنَ القتل على خلفية الشرف غير معاقب عليه وله مبررات قانونية.
لغة الإعلام منقذ دون قصد
تستخدم كافة وسائل الإعلام الجملة المتداولة وهي القتل على خلفية الشرف، في حين لم تذكر أي وسيلة إعلامية مصطلح الشك في هذه الجرائم، وهو ما يبعد الظن عن براءة المجني عليه دون تدنيس الضحية لشرف العائلة.
ويتحدث المراسل السابق لفضائية القدس الصحفي سامر خويرة حول هذه الجزئية المهمة في محاور دور الإعلام تجاه القتل على خلفية الشرف فيقول: "ليست كل قضية قتل على خلفية الشرف تكون فعلا عليها، فهناك حالات تم قتل النساء فيها بسبب الميراث وأسباب أخرى ثم تم التستر عليها بستار الشرف". وحسب خويرة يقع دور كبير على الإعلام من حيث اختياره للمصطلحات في هذه القضية بحيث تسيطر جملة القتل على خلفية الشرف على كافة الحالات التي تم رصدها لقتل النساء. ويرى أن الأصح هو متابعة خلفيات القتل والتحقق إن كان قد تم على خلفية الشك بالفتاة أم لا".
وقد دلت كافة التحقيقات الجنائية المدعمة بالأدلة القانونية والطبية أنَ غالبية الجرائم ارتكبت على خلفية الشكوك والظنون، وليس هناك ما يدل على أنَ النساء المغدورات فرَطن بشرفهنَ أو لوثن كرامتهنَ وسمعتهنَ.
مسؤولية الصحفيات
أما الصحفي نواف العامر فيتحدث عن الموضوع بطريقة مغايرة قليلًا ويقول: "هناك مسؤولية كبيرة تقع على عاتق الإعلاميات الفتيات في خوض غمار هذه القضية لأنها تخص المرأة دون النفي بأنها تمس المجتمع بأكمله".
وتقول الإعلامية سمر شاهين، في ورقتها العلمية بعنوان: رؤية نقدية للمعالجة الإعلامية لجرائم قتل النساء على خلفية الشرف في الصحافة المكتوبة، "الإعلام الفلسطيني كذلك يعتبر -خطأً- أن تبني قضايا قتل النساء على خلفية الشرف نوع من أنواع التشهير والإثارة لخلق البلبلات في الشارع، دون أن يعتبرها نوعاً من أنواع العلاج لقضية كانت ولا زالت تنهش عقول أبناء الشعب الفلسطيني وتسبب بفقدانه الكثير من النساء دون وجه حق أو دليل".
وتضيف شاهين: "واقع قضايا قتل المرأة على خلفية الشرف في الإعلام يتحدث عن تحليل الصحفي وإسقاطه رؤيته للمرأة على أنها المجرمة -الشيطان- المحرضة دائماً على الجريمة، فالمرأة كما تظهر في معظم التغطيات هى السبب والدافع للجريمة، ومن ثم تستحق ما يحدث لها من عقاب. وهذا نوع من أنواع العنف ضد المرأة يتبناه الإعلام الذي لطالما نادى بحريتها".
لا يقتصر علاج هذه القضية على الإعلام فقط بل لا بد من إشراك كافة شرائح المجتمع كل حسب مكانه وموقعه وطاقته. إلا أن مهمة الإعلام هي الأكبر، فعليه أن لا يأجَج المواضيع ويضخمها حتى لا تخرج عن سياقها الإجرامي. وهناك أيضًا مفاهيم أخرى تعد هي شرف الإنسان، والتهافت على جعل الأنثى عنوانًا للشرف ما هو إلا استبعاد للإنسان الأنثى واغتصاب معنوي لكيانها وتحقير لعقلها وعواطفها ومشاعرها.
الكاتبة: رحمة خالد
المحرر: عبد الرحمن عثمان
2015-01-08 || 11:00